د. ناصيف حتي
TT

لبنان... حرب إسرائيل وتحديات المسار التفاوضي

استمع إلى المقالة

لم تنجح محاولة السلطة اللبنانية التجديد لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، وذلك كان متوقعاً بسبب الموقف الأميركي الذي يعتبر «رسمياً»، منذ فترة، أنه حان الوقت لخفض نفقات الأمم المتحدة، وخصوصاً قوات حفظ السلام في العالم. وهناك قناعة بأن واشنطن لم تعد متحمسة لهذه المقاربة الأممية لاحتواء وإدارة نزاعات قائمة.

ويرى كثير من المراقبين أن في طليعة الأمثلة على ذلك من المنظور الأميركي، موضوع اليونيفيل، واهتمام واشنطن مع إطلاق المفاوضات بإحداث تغيير في الإطار الأممي الخاص بإدارة الوضع في الجنوب، والتخلي عن دور الأمم المتحدة في هذا الصدد، ربما كما يقول البعض، ولا يوجد تأكيد على ذلك، نحو اعتماد اتفاق الإطار لمفاوضات السلام اللبنانية الإسرائيلية التي تجري برعاية ومشاركة واشنطن كمرجعية بديلة عن القرارات الدولية ذات الصلة.

واستبعد ذلك نظراً لبقاء الحاجة لمرجعية أممية، أياً كانت الصيغة التي يمكن أن تشكل قاعدة إنشاء قوة دولية مطلوبة، ومرجعية هذه القوة المطلوب أن تملأ الفراغ الذي سيتركه غياب اليونيفيل، وإدارة مرحلة ما زالت تتسم بالغموض بدرجة كبيرة، فيما يتعلق بمدى نجاح المسار التفاوضي، الذي أشرنا إليه، والذي ما زال في بداياته. غموض سببه «ثلاثية إسرائيلية»، قوامها رفض وقف إطلاق النار، ورفض المناطق التجريبية التي كان متفقاً عليها، ولو أن البدء بتنفيذها أظهر خلافات كبيرة بسبب الشروط التعجيزية الإسرائيلية «ورفض الانسحاب من الحزام الأمني الذي أقامته إسرائيل في جنوب لبنان حتى الانتهاء كلياً من موضوع السلاح على الأراضي اللبنانية كافة»، كما يذكرنا المسؤولون الإسرائيليون كل يوم تقريباً.

ويتعارض ذلك كلياً مع الطرح اللبناني الذي يدعو للبدء بسيطرة الجيش اللبناني على جنوب نهر الليطاني، وكذلك وقف إطلاق النار كلياً من طرف إسرائيل، بسياسة الخطوة مقابل الخطوة. وللتذكير مع انتهاء اليونيفيل نهاية هذا العام أسقطت عملياً المقترحات أو الخيارات الثلاثة لقوة أممية جديدة يختلف عديدها، وكذلك بعض مهامها، التي قدّمها الأمين العام للأمم المتحدة في شهر يونيو (حزيران) لملء الفراغ الذي سيتركه غياب اليونيفيل. الحديث حالياً عن إنشاء آلية التحقق من تنفيذ ما هو مطلوب في الإطار التفاوضي من انسحاب إسرائيل وانتشار كلي للجيش اللبناني. ليس أيضاً بالأمر السهل، وقيل إن هنالك تحفظاً إيطالياً، وليس رفضاً، من الاقتراح الذي ما زال في بداياته لأن تتولى إيطاليا الإدارة أو الإشراف على هذه الآلية إذا لم تكن هنالك ضمانات أمنية فعلية بشأن احتمال

حدوث تعديات على قواتها. تعديات قد تكون، كما ذكر بمثابة رسائل سياسية بوسائل أمنية. أضف أن إسرائيل تحمل سلة من الفيتوهات على دول معينة، مثل فرنسا وإسبانيا وتركيا أيضاً، ضمن دول أخرى... للمشاركة في هذه الآلية؛ هل تكون القوة المنوي تشكيلها قوة أوروبية أم قوة أوروبية أممية (ثقل أوروبي بمشاركة دول من أقاليم أخرى في العالم) من الأسئلة المطروحة كذلك. الخلافات أيضاً ستتعلق دون شك بالمرجعية القانونية الدولية لهذه القوة المنوي تشكيلها، لأن تلك المرجعية تعطيها الشرعية والفاعلية، وبالتالي المصداقية للقيام بمهامها في ظل وضع أمني سياسي مفتوح على الاحتمالات كافة. يذكر البعض أن احتواء التصعيد الإسرائيلي ومنعه من الانتشار نارياً وجغرافياً بشكل كبير، ومخاطر الانزلاق إلى ذلك، يبقى أمراً أكثر من ضروري حتى لا ينهار فعلياً المسار التفاوضي. ولا شيء في الأفق يدل على احتمال حصول ما أشرنا إليه، وتحديداً فيما يتعلق بوقف إطلاق النار من طرف إسرائيل. في هذا الإطار يرى البعض أن المطلوب الانتظار إلى ما بعد الانتخابات النيابية في إسرائيل باعتبار أن نتنياهو يخوض معركته الانتخابية عبر تصعيده القتالي في لبنان. لكن هذا الرأي يستدعي أكثر من ملاحظة، فالأهداف الإسرائيلية المعلنة للحرب لن تتغير بعد الانتخابات، فهي أهداف تعكس رؤية استراتيجية للبعض، وعقائدية للبعض الآخر، في السلطة أو المؤسسة الحاكمة في إسرائيل حالياً، مع هيمنة اليمين المتشدد، كما أشرنا في بعديه الاستراتيجي والديني العقائدي.

والجدير بالذكر أن أي تحالف سياسي يعكس نتائج الانتخابات بين القوى المهيمنة لن يحدث تغييراً جوهرياً في أهداف الحرب او في إدارتها ولو خفتت بعض الأصوات التي ارتفعت عشية الانتخابات وهدأت حدة الخطاب، أو تغير أسلوب خدمة الأهداف المعروفة. خلاصة الأمر أن «العودة إلى الدولة» في لبنان، التي تبقى هدفاً أو شرطاً أساسياً لولوج باب الاستقرار الوطني من سياسي واقتصادي ومجتمعي، تستدعي عودة الدولة كلياً إلى تولي مهامها الأساسية، كما كل دولة، وفي طليعة هذه المهام قرار الحرب والسلم أولاً وحصرية السلاح.

المدخل الرئيسي والأساسي لذلك، كشرط أكثر من ضروري، يمر عبر الضغط على إسرائيل من الولايات المتحدة أساساً، بحكم خصوصية العلاقات تاريخياً وعملياً وواقعياً بين البلدين ودور واشنطن حالياً في «هندسة» وإدارة المفاوضات، وكذلك من طرف القوى الدولية، التي بحكم وزنها وعلاقاتها مع إسرائيل قادرة أيضاً إذا ما رغبت فعلياً، على وقف الحرب الإسرائيلية المتصاعدة والنزف اللبناني المتزايد على الأصعدة كافة، والقبول بوقف إطلاق النار والانسحاب بشكل تدريجي كما أشرنا.

الأمر الذي يسمح بإمساك الجيش اللبناني وحده السيطرة الكلية في مرحلة أولى من جنوب الليطاني حتى الحدود الدولية للبنان، وهي حدود معترف بها دولياً. يستدعي ذلك التأكيد على تفعيل مرجعية اتفاقية الهدنة لعام 1949، التي لا تسقط مع الزمن كما يتصور البعض، أو كما ترغب إسرائيل، والعمل على تثبيت الحدود اللبنانية (وليس ترسيمها) فهي محددة أساسا، وذلك من خلال معالجة بعض النقاط الخلافية، التي يمكن حلّها.

ذلك هو المدخل الفعلي والعملي والواقعي للعودة إلى «الدولة»، والانتهاء من دور لبنان الملعب «لحروب الآخرين».