انطلقت أمس (الأحد) في العاصمة السعودية الرياض أعمال مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ 2026»، الذي تُنّظمهُ وزارة الداخلية السعودية، بعنوان «تاريخنا ومستقبلنا.. أمن ونماء»، بمشاركة أكثر من 160 متحدثاً من داخل المملكة وخارجها.
هذا المؤتمر الذي يتطوَّر عاماً بعد عام، وتزداد ندواته وأفكاره وضيوفه من داخل المملكة وخارجها، جعل من موضوع الأمن مدار فلَكه في المضمون الفكري والأدبي ومعارضه المصاحبة، لمقاربة وفهم التاريخ السعودي، ولا يعني ذلك «انحصار» فهم التاريخ من خلال هذا الباب، ولكنه يعني أن هذا الباب- الأمن- من أكبر الأبواب إنْ لم يكن «باب الأبواب» للإفضاء إلى مدينة التاريخ السعودي.
الحالُ أن تفسير قِيام الدولة السعودية قبل 300 عام، وهي تحتفل السنة المُقبلة بمرور 3 قرون على ولادة الدولة عام 1727 على يد الباني الأول، الإمام محمد بن سعود، تفسير هذه النشأة مُعتركٌ جالت فيه الأقلام وتبارت فيه الأفهام.
غير أنَّ من أدقّ التفسيرات وأعمقها لذلك هو ما قدّمه عالم الاجتماع السعودي الأستاذ سعد الصويّان، عافاه الله، في أكثر من بحثٍ وكتابٍ وحديث. وأعيدُ التذكير بها:
في مقالة للصويّان بعنوان «إرهاصات قيام الدولة السعودية» نُشرت في مايو (أيار) 2009، كتب شارحاً اللحظات والسنوات القليلة قُبيل قيام الدولة السعودية الأولى، شرح المناخ الثقافي والطابع الوجداني لدى سكان وسط الجزيرة العربية، خصوصاً إقليم العارض (الرياض تقع في القلب منه) والوشم، من خلال استعراض أشعار 3 شعراء كبار: جبر بن سيار، ورميزان بن غشام، وحميدان الشويعر.
يقول الدكتور سعد: «لو قرأنا أشعار هؤلاء الثلاثة بتمعّن لخلصنا إلى أنَّ المنطقة كانت قد سئمت حالة الشتات والتشرذم السياسي وانعدام الأمن والاستقرار، وأصبح الناس يتطلعون إلى قيام سلطة تحقق العدل وتبسط الأمن والنظام والاستقرار».
وفي مقالة أخرى أسبق منها، نُشرت في 2006، كتب الصويان في جريدة «الاقتصادية»، عن هذه الأشعار لهؤلاء الثلاثة من قلب نجد: «أرى فيها تعبيراً عن وعي عام وإرادة جماعية كانا يختمران في أذهان الجميع. منذ تلك المرحلة والعارض تتمغّط استعداداً للوثوب».
وفي مقالة له بعنوان «نظريات تُفسّر نشأة الدولة السعودية»، نُشرت في مايو 2009، لاحظ الدكتور سعد بُعداً جديداً في تفسير نشأة الدولة السعودية، دور طبقة التجار «الدوليين»، إن صحَّ ذلك، وهم طائفة «العُقيلات»، قال: «نشاط العُقيلات التجاري واللوجستي ساعد على قيام الدولة، لأنَّهم كانوا يفضّلون سلطة واحدة يدفعون لها الرسوم والضرائب، بدلاً من تعدّد السلطات المتمثلة في أمراء المدن وشيوخ القبائل المنتشرة على طرق التجارة، التي تطالبهم كل منها بدفع ضريبة لها. وهذا بالتحديد ما حدث مثلاً في أوروبا وأدَّى إلى انهيار نظام الإقطاع وقيام الدول الحديثة هناك، بعد نشاط التبادل التجاري وظهور طبقة التجار».
وعودة إلى بداية الحديث، فإن الإمعان أكثر في قراءة التاريخ وتفسيره بمقاربات جديدة وجريئة وعلمية من أسباب إنعاش العقل الجمعي والوعي العام.
