عاشت أجيالنا أسطورتين حول القدرة الغربية المطلقة، وبالتالي حول العجز العربي المطلق. الأولى، كان اسمها «الإنجليز». أي بريطانيا العظمى، ونفوذها السحري في كل مكان، وجواسيسها الذين يتحدثون العربية بشق النفس ولكنة ولاية إسكس.
كل مؤامرة كانت تنسب إلى «الإنجليز». كل حركة سياسية، كل مظاهرة غامضة، كان يقال إنها «إنجليزية». مع تراجع النفوذ البريطاني وانحسار الإمبراطورية، وحلول الولايات المتحدة مكان الغرب، أصبحت التهمة الساذجة توجه إلى أميركا. كل حكومة تنجح خلفها أميركا، وكل حكومة تفشل سببها أميركا. وإذا لا فشلت ولا نجحت فلأن أميركا امتنعت عن التدخل.
صارت «أميركا» والأميركان عنوان الوجهاء أو العملاء. كثيرون يطلبون ودَّها، لعل وعسى، وكثيرون ينضمون إلى الحرب عليها، فإذا لم تفد مودتها أفاد عداؤها.
طبعاً، كان هناك شيء من هذا. كانت هناك الولايات المتحدة، القوة الكبرى الظاهرة بعد الحرب، وهذه انتقلت فوراً إلى الحرب الباردة، وكما في كل حرب مهما كانت طبيعتها أو حرارتها، القوى الكبرى بحاجة إلى جيوش سرية وجيوش معلنة ورجال يضربون بسيفها.
لكن المبالغة الشعبية والساذجة في تقدير دور «أميركا» كانت مضحكة، مثل دور «الإنجليز» من قبل. سجلت أميركا 500 تدخل رسمي فاشل دون جدوى. وأخفقت في حروب عدة، أشهرها الفيتنام. وتتعثر القوة الأميركية في الصراع الحالي بعيداً عن الحسم المنتظر، من دون أن يعرف أحد ماذا حدث للسحر الماضي. وهل كان سحر «أميركي» في الماضي، أم أن الشعوب تبالغ في أصدقائها وأعدائها سواء؟!
