د. ياسر عبد العزيز
كاتب مصري وخبير في مجال الإعلام والاتصال. مدير مكتب«الشرق الأوسط»في القاهرة. عضو مجلس الشيوخ. عمل مستشاراً ومدرباً مع عشرات المؤسسات الإقليمية والدولية.
TT

خوارزميات «السوشيال ميديا» تُعيد تشكيل واقع السياسة

استمع إلى المقالة

ليست المفارقة في صعود حزب «البديل من أجل ألمانيا» أن حزباً تصفه المؤسسات الألمانية الرسمية بـ«التطرُّف اليميني» استطاع أن يُوسع حضوره الانتخابي والسياسي، وإنما في أن الوسيط الذي مكَّنه من ذلك لم يكن بالضرورة المؤسسة السياسية أو الإعلامية التقليدية؛ بل الفضاء الذي ظن كثيرون أنه مجرد ساحة لـ«التواصل الاجتماعي».

هنا يكمن أحد أهم تحولات السياسة المُعاصرة؛ حيث لم تعد الأحزاب تحتاج دائماً إلى أن تمر عبر بوابات الإعلام المؤسسي لكي تصل إلى الجمهور؛ إذ يكفي أحياناً أن تمتلك خطاباً قابلاً للانتشار، وأن تجد منصات تُكافئ هذا الخطاب.

وحين قال ماركوس شميت، مسؤول الاتصال في حزب «البديل»، إن حزبه ما كان لينمو بهذه السرعة لولا «فيسبوك»، عشية الانتخابات البرلمانية الألمانية، في 2021، فإنه لم يبُح بسرٍّ خافٍ بقدر ما كان يعترف بمعادلة باتت جوهرية في السياسة المعاصرة. ومفاد تلك المعادلة أن المنابر الرقمية لم تعد أداة مساندة للخطاب الشعبوي؛ بل غدَت الرحم التي يولد منها هذا الخطاب، ويكتسب عبره شرعيته الجماهيرية.

وحين ردَّد دونالد ترمب المقولة ذاتها عن «تويتر» («إكس» حالياً) وأثره في حمله إلى سدة الرئاسة الأميركية، عام 2016، تقاطعت التجربتان الأميركية والألمانية عند حقيقة واحدة؛ مفادها أن الشعبوية اليمينية، من واشنطن إلى برلين، وجدت في الخوارزميات حليفاً أكثر فاعلية من أي حزب تقليدي أو بنية سياسية، وأكثر إخلاصاً لها من الإعلام المؤسسي، الذي طالما وصفها بـ«التطرُّف»، وحاصرها بجدران العزل السياسي والأخلاقي.

وهذا التماهي بين المنصات والخطاب الشعبوي لم يكن نتاج مصادفة تقنية؛ بل حدث إثر توافق بنيوي عميق. فالخوارزميات مصممة لمكافأة الإثارة والاستقطاب لا التعقيد والاعتدال، وهي بذلك تصطف بطبيعتها إلى جانب خطاب يُبسِّط الأزمات المُعقدة إلى ثنائيات حادة: نحن وهم، الشعب والنخبة، الوطن والدخلاء. وبينما تحتاج الأحزاب التقليدية إلى وسائل إعلام وسيطة «تفلتر» خطابها وتُخضعه لضوابط مهنية، تخترق الشعبوية هذا الحاجز كلياً، فتخاطب الناخب مباشرة؛ بلا رقيب ولا تحرير ولا مساءلة، وتُحول كل مستخدم إلى ناقل طوعي لرسالتها، عبر المشاركة والتعليق والانفعال.

هكذا استطاع حزب «البديل» أن يبني -بعيداً عن الصحافة الألمانية المؤسسية التي ناهضت خطابه بثبات- قاعدة جماهيرية موازية، تتلقى خطابه وعواطفه السياسية من غرف صدى رقمية مُغلقة، لا تصلها فيها الحجَّة المضادة إلا مُشوَّهة، أو غائبة كلياً.

والزلزال الذي يتحدث عنه الإعلام الألماني اليوم، مع تقدُّم «البديل» الواضح في استطلاعات انتخابات ولاية سكسونيا-أنهالت، ليس سوى الثمرة الناضجة لهذا المسار الطويل. فما بدأ قبل سنوات كحضور هامشي على الأطراف الرقمية للنقاش العام، تحوَّل اليوم إلى قوة قادرة على حصد أغلبية برلمانية كاملة في ولاية ألمانية، لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، متجاوزة بذلك «جدار العزل» الذي أقامته الأحزاب الرئيسة حول الحزب «اليميني المتطرف».

والمفارقة أن هذا الصعود يحدث بينما يستمر التصنيف الرسمي لفروع الحزب على أنها كيانات «متطرفة يقيناً» من قبل «جهاز حماية الدستور»، وهو تصنيف لم يعد كافياً وحده لوقف الزحف الانتخابي، حين يملك الخصم منصَّة اتصال مباشرة بالناخب لا تحتاج إذناً من أحد.

وهنا يدق ناقوس الخطر الحقيقي بقوة؛ فحين تتحول الشبكات الاجتماعية إلى المصدر الأساسي للمعلومة السياسية، يصبح الفضاء العام أسير منطق اللحظة والانفعال، وتفقد الديمقراطية آلياتها التقليدية في تصحيح المسار عبر النقاش العقلاني والوساطة الإعلامية المسؤولة.

والأخطر أن هذا النمط لا يقتصر على ألمانيا ولا الولايات المتحدة؛ بل يتكرَّر من فرنسا إلى إيطاليا إلى دول أوروبية أخرى، في نُسخ محلية متعددة من الظاهرة ذاتها، بما يهدِّد النسيج الديمقراطي الأوروبي برُمَّته، ويفتح الباب أمام تطبيع تدريجي لخطابات كانت إلى الأمس القريب خارج الإجماع الوطني التقليدي.

غير أن مواجهة هذا الاختراق لا تكون بالحظر ولا التجاهل، فكلاهما أثبت عجزه؛ بل تستوجب استراتيجية مُركَّبة، تتضمن تشريعاتٍ صارمةً تُلزم المنصَّات بالشفافية الكاملة حيال خوارزميات الترويج والإعلانات السياسية، ومحوَ أميةٍ رقميةٍ حقيقياً عبر المناهج التعليمية، لتحصين الناخبين من التضليل، وإعلاماً مؤسَّسياً يعيد ابتكار لغته وقنوات وصوله بدل الاكتفاء بإدانة الخصم من بعيد، وأحزاباً تقليدية تنزل إلى حيث يعيش الناخب فعلياً بدل انتظار عودته إلى صناديقها العتيقة.

فالمعركة لم تعد تُخاض في ميادين السياسة وحدها؛ بل في كل شاشة هاتف، وإدراك هذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو استعادة التوازن المفقود. وإذا كانت الديمقراطية قد بنت مؤسسات لحراسة السلطة السياسية، فإنها مطالبة اليوم ببناء قواعد لحراسة البيئة التي تتشكل فيها إرادة الناخب قبل أن يصل إلى صندوق الاقتراع.