د. عبد الله الردادي
يحمل الردادي شهادة الدكتوراه في الإدارة المالية من بريطانيا، كاتب أسبوعي في الصفحة الاقتصادية في صحيفة الشرق الأوسط منذ عام ٢٠١٧، عمل في القطاعين الحكومي والخاص، وحضر ضيفا في عدد من الندوات الثقافية والمقابلات التلفزيونية
TT

كيف يُصنع الخبير؟

استمع إلى المقالة

في كل عام يخرج من الجامعات جيل يحمل شهادته ويطرق أبواب الشركات، فيقابله في وصف الوظيفة شرطٌ صار مألوفاً حدّ السخرية: مطلوب خبرة سنتين، والسؤال الذي لم يجد جواباً منذ سنين هو: من أين يأتي الشاب بالخبرة إن كان أحد لا يوظفه ليكتسبها؟ إلا أن هذا السؤال القديم دخل هذا العام طوراً جديداً، فالدرجة الأولى من السلّم لم تعد ضيقة فحسب، بل بدأت تختفي.

وقد قاس مختبر الاقتصاد الرقمي في جامعة ستانفورد، بإشراف الاقتصادي إريك برينيولفسون، أعداد الموظفين البالغة أعمارهم بين 22 و25 في المهن التي تلامسها أدوات الذكاء الاصطناعي مباشرة، فوجدها أقل بنحو 19 في المائة عن أقرانهم في المهن البعيدة عنها، والتفصيل الأهم في هذه النتيجة أنها لم تأت من فصل موظفين، بل من الامتناع عن توظيف جدد؛ فالموجودون في أماكنهم، ولكن باب التوظيف أغلق، وهذا يفسر كيف تبدو أرقام التوظيف الإجمالية هادئة بينما يشتكي الخريجون مما لا يظهر في تلك الأرقام.

وتأثر المبتدئون بالتحديد لأن ما كان يُسنَد إليهم في سنتهم الأولى هو أكثر العمل قابليةً للوصف: تلخيص وثائق، ترتيب بيانات، إعداد مسودة أولى، مراجعة تفاصيل تتكرر، عمل له خطوات معروفة ونتيجة يسهل التحقق من صحتها، وهذا بالضبط ما تجيده الآلة اليوم، فالمهام التي كانت تُعطى للمبتدئ لأنها الأبسط، صارت تُعطى للآلة للسبب نفسه.

وهنا تقع الخسارة التي لا تظهر في أي ميزانية؛ تلك المهام لم تكن عملاً فحسب، بل كانت مدرسة داخل العمل، فالمحامي الذي قرأ ألف وثيقة في سنته الأولى لم يكن يقرأ فقط، بل كان يبني حدساً يعرف به بعد عشر سنوات أين تُدفن المشكلة في العقد، والمحلل الذي أمضى شهوراً ينظّف جداول الأرقام تعلّم من حيث لا يدري أين تكذب البيانات، فحين تذهب هذه المهام إلى الآلة، تذهب معها تلك التربية الصامتة، ويصل الشاب إلى منتصف طريقه المهني بشهادات أكثر وخبرة أقل.

والسبب الاقتصادي وراء ذلك أعمق من التقنية، فتدريب موظف مبتدئ استثمار غريب من نوعه: تدفع الشركة تكلفته كاملة، ثم قد يقطف ثمرته منافسها حين يستقطبه بعد سنتين وقد صار جاهزاً، ولهذا ظلت الشركات تتردد في التدريب حتى قبل ظهور هذه الأدوات، لكنها كانت تتحمله مضطرة لأنها تحتاج من ينجز العمل البسيط، فلما جاءت الآلة وأنجزته بلا راتب ولا تدريب ولا انتظار، زال الاضطرار، كل شركة على حدة اتخذت قراراً سليماً لمصلحتها، ومجموع هذه القرارات السليمة ينتج ضرراً يصيب الجميع بعد سنوات: سوق يطلب الخبراء ولا يصنعهم.

على أن الصورة ليست محسومة، ولا ينبغي أن تُقدَّم على أنها كذلك، فقد اعترض ديفيد ديمنغ من جامعة هارفارد بملاحظة وجيهة: انحسار توظيف المبتدئين بدأ قبل انتشار هذه الأدوات بأشهر، والمتهم الأقرب عنده هو العمل عن بُعد، إذ يصعب على الشركة أن تدرّب موظفاً جديداً عبر الشاشة، فتفضّل أن توظف جاهزاً يبدأ من اليوم الأول، ويذهب أندرس هوملوم من جامعة شيكاغو أبعد من ذلك، مستنداً إلى بيانات أكثر من 20 ألف شركة تُظهر أن أكثرها إنفاقاً على الذكاء الاصطناعي زادت توظيف المبتدئين لا العكس، والثلاثة يتفقون على أن تحولاً كبيراً يجري، ويختلفون في تسمية المتسبب فيه، وهذا وحده يستحق أن يجعلنا أقل تسرعاً في إصدار الأحكام.

وبعض المؤسسات لم تنتظر حسم الجدل وبدأت تتصرف، فاقترحت باحثة في معهد «بروكينغز» إعادة تصميم الوظيفة الأولى على غرار سنوات الإقامة في مهنة الطب: تدريب منظّم تحت إشراف، بدل التعلّم بالمصادفة وبما يتيسر من مهام، وأبقى بنك أميركا نحو أربعة آلاف متدرب وبنى لهم برامج محاكاة تختصر عليهم سنوات من التجربة، كما طلبت شركة عقارية من موظفيها الجدد أن يقيّموا الحي بأنفسهم أولاً، ثم يقارنوا عملهم بما أنتجته الآلة، ليروا الفجوة بأعينهم بدل أن تُشرح لهم، ولعل أدق وصف لهذا كله جاء من مهندسين في «مايكروسوفت»: الذكاء الاصطناعي دفعةٌ للخبير وعبءٌ على المبتدئ، لأن الخبير يملك ما يميّز به صواب الآلة من خطئها، والمبتدئ لا يملكه بعد.

السؤال الذي يبقى معلقاً ليس عن الوظائف التي أُلغيت، بل عن تكلفة لم تختفِ وإنما انتقلت من جهة إلى أخرى، فصناعة الخبرة كانت تُدفع خفيةً داخل ميزانيات الشركات، على شكل رواتب سنوات أولى لا يوازي إنتاجها ما يُصرف عليها، وحين تكفّ الشركات عن دفعها لا يسقط الثمن، بل ينتقل إلى الشاب نفسه يشتريه من وقته وماله، بتدريب يدفع مقابله، ودراسة عليا يطيلها وهو ينتظر، وسنوات يقضيها على باب لا يُفتح، أو ينتقل الثمن إلى الزمن، فيُدفع بعد عقد من الآن حين تبحث المؤسسات عمّن يشغل مواقعها الوسطى فلا تجده.

وفي هذا ما يستحق التأمل، فمنذ قرنين والخوف من الآلة خوف واحد يتكرر بصيغ مختلفة: أن تحلّ محل العامل في عمله، أما ما يجري اليوم فمختلف في نوعه لا في درجته، لأن الآلة لا تزاحم الخبير على مهنته، بل تزاحم المبتدئ على الطريق الذي يصير به خبيراً، وهو خطر أهدأ من سابقه وأبطأ، ولا تلتقطه أرقام البطالة حين تصدر كل ثلاثة أشهر، لكنه من النوع الذي لا يُعالَج بعد وقوعه؛ فكل نقص في السوق يمكن تعويضه بالمال أو بالتقنية أو باستقدام من يسدّه، إلا الخبرة، فإنها لا تُصنع إلا بالوقت.