مواهب نتنياهو لا تُنكَر، وأهمُ قرينةٍ عليها بقاؤه بموقع الرجل الأول في إسرائيل أطول من كل سابقيه من المؤسسين والتاريخيين.
تركّزت مواهب نتنياهو على إدارته زعامتَه داخل الحياة السياسية في إسرائيل، مستفيداً من الفراغات التي نشأت واتسعت بفعل غياب الكبار، الذين لم يتركوا وراءهم زعماء مؤهَّلين للحكم من بعدهم، فتلاشَوْا مَن كانوا يسمَّون «جيل الأمراء»، ولم يصمدوا أمام مواهب وإمكانات نتنياهو. وحين يستبد الفراغ بعد غياب الكبار، تنفتح الفرص أمام موهوب سلطةٍ وسياسةٍ وخطابةٍ مثل نتنياهو، وهذا ما حدث.
الكبار الذين أقاموا الدولة، وبنوا مؤسساتها، لم تكن إنجازاتهم لمجرد توافر مؤهلاتهم الشخصية؛ بل لأن قوىً دوليةً مقررةً أسست دولتهم. وأهم ما ميّز المؤسسين الصهاينة أنهم عرفوا كيف يستفيدون من الرياح الدولية المواتية، في حين لم يكن مَن واجهوهم آنذاك في كفاءتهم.
«جيل الكبار»، ومنهم بن غوريون وغولدا مائير ومناحيم بيغن، وبالإمكان إضافة موشيه ديّان؛ أيقونتهم الحربية، سجّلوا بأسمائهم إنجازاتٍ فعليةً، مثل تأسيس الدولة، وكسب حروبها، وبناء وتطوير قدراتها... ويقع في صلب إنجازاتهم تحقيقُ بداياتٍ مهمةٍ للتطبيع، أدّاها مناحيم بيغن، محققاً بذلك مقدمةً لرغبة المؤسس بن غوريون الذي كانت أقصى أمانيه أن يرى إسرائيل دولةً عاديةً من دول الشرق الأوسط.
ورث نتنياهو كل ما فعله هؤلاء. وإذا ما أُرّخ لعهده بما أنجز في الواقع، فليس في سجلّ تاريخه ما يؤهله لصفة «قائدٍ تاريخي».
في الأشهر القليلة التي ربما تكون أشهُرَه الأخيرة في حكم إسرائيل، لم يجد نتنياهو إنجازاتٍ مقنعةً للإسرائيليين، وكل ما حققه بالفعل يندرج في دائرة السلب... وهذه عيّناتٌ مما فعل:
في عهده نفّذت إسرائيل حرب إبادة أدّت إلى وضع الدولة في قفص الاتهام والإدانة، ووضعته شخصياً قيد الملاحقة بصفته «مجرم حرب».
وفي عهده تكرّس في إسرائيل حكم الفرد، بعد أن كانت تتباهى بحوكمةٍ حضاريةٍ عصريةٍ وديمقراطية، عدّتها الوحيدةَ في صحراء الشرق الأوسط.
وفي عهده قاد ثورةَ رِدةٍ على القضاء كي يفلت من العقاب حتى لو بلغ الأمر حدّ إلغاء سلطته وتجويف صلاحياته.
وفي عهده تكبّدت إسرائيل أعظمَ خسائر بشريةٍ واقتصاديةٍ في حروبٍ على جبهات عدة، لم تستطع حسم واحدةٍ منها؛ ولن تستطيع.
وفي عهده اتُّهم بأفدح تقصيرٍ وقع فيه رئيس وزراءٍ إسرائيلي؛ من جرّاء ما حدث يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وكذلك بمنعه تشكيلَ لجنةٍ حكوميةٍ للتحقيق فيما حدث، ليقينه بحتمية إدانته.
وفي عهده مَالَأ الحريديين وطوّع الدولة بكل مؤسساتها لمصالحهم؛ وهم الممتنعون عن الخدمة العسكرية في زمن احتياج الجيش إلى قوىً بشريةٍ يفتقدها بسبب حروبه متعددة الجبهات.
وفي عهده تراجع التأييد الشعبي والمؤسساتي الأميركي لإسرائيل، بعد أن كانت سياسات وقرارات الدولة العظمى، خصوصاً في الشأن الشرق أوسطي، رهينةً لها؛ توضع وتُتخذ في تل أبيب قبل واشنطن.
وفي عهده تراجع الإنتاج وتعاظمت الهجرة المضادة، وبلغ الإنفاق الحربي أعلى معدلاته منذ ولادة الدولة... ولا يزال النزف متواصلاً ولا يُعرف كيف ومتى يتوقف.
كل هذا الذي تقدّم قالته تقييمات كتّابٍ وعلماء وسياسيين إسرائيليين صهاينة لعهد نتنياهو وما «أنجز» من كوارث، جعلتْ ضابطاً كان مجهولاً في الحياة السياسية الإسرائيلية يتفوق عليه في الاستطلاعات بالجدارة في الحكم والقيادة؛ هو آفي آيزنكوت.
إنَّ أهم ما فعله نتنياهو وما بدأ الشعب الإسرائيلي ينتبه إليه، باستثناء قوى اليمين المستثمرة عقائدياً ومصلحياً فيه، أنه ضلَّل إسرائيل بأجنداته المستحيلة، مثل السيطرة على الشرق الأوسط بينما هو عاجزٌ عن السيطرة على أصغر جغرافيا من جغرافيات حروبه المتعددة، وتسويقه حنينَه وسعيَه لإقامة إسرائيل الكبرى التي تتطلب الاستيلاء على مائة ضعف مساحتها الحالية من الدول المجاورة.
أخيراً لو اقترنت إنجازات نتنياهو بما تحتاجه إسرائيل فعلاً من أمنٍ دائمٍ، واستقرارٍ راسخٍ، والتمتع بعضوية نادي الدول العادية في الشرق الأوسط، كما حلم بن غوريون، لسُجّل في الذاكرة والكتب زعيماً تاريخياً يضاهي مؤسسي الدولة ويمكن أن يتفوّق عليهم، ولكنه؛ وهذه هي خلاصة عهده، يقاتل طواحين الهواء للنجاة من مقصلة القضاء، والظفر بولايةٍ جديدة؛ إنْ كسبها، بفعل الفراغات المستشرية في الدولة، فخسارة إسرائيل منه وبه ستكون الأفدح في تاريخها.
