د. عبد الحق عزوزي
أكاديمي مغربي متخصص في العلوم السياسية والقانون
TT

من فوضى دولية إلى نظام عالمي جديد... رؤية من الجنوب

استمع إلى المقالة

لم يعد العالم يعيش مجرد تراكم للأزمات، بل يبدو أننا أمام أزمة عميقة تمس بنية النظام الدولي ذاتها. فالنظام الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد قادراً، بالآليات والقواعد نفسها، على استيعاب التحولات الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، في حين لم تتبلور بعدُ معالمُ نظامٍ عالمي جديد قادرٍ على تحقيق التوازن بين القوة والشرعية، وبين المصالح الوطنية والمسؤولية الدولية.

كانت هذه إحدى الأفكار المركزية التي طرحتُها خلال مشاركتي في منتدى «إلى أين تتجه أوروبا؟»، الذي عُقد بمدينة سانتاندير الإسبانية، بدعوة كريمة من جوزيب بوريل، الممثل الأعلى السابق لـ«الاتحاد الأوروبي» للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، ورئيس البرلمان الأوروبي. وقد شكل اللقاء فضاءً مهماً للحوار بين مسؤولين ودبلوماسيين ومفكرين وأكاديميين بشأن التحولات التي يشهدها العالم ومستقبل أوروبا في البيئة الدولية الجديدة.

انطلقتُ في مداخلتي من حقيقة أساسية مفادها بأنه لا يوجد «جنوب» واحد، بل هناك «جنوبات» متعددة. فأفريقيا ليست أميركا اللاتينية، والعالم العربي ليس آسيا، والهند ليست البرازيل، ولكل دولة تاريخها وخصوصياتها ومصالحها الاستراتيجية. ومع ذلك، فإن سؤالاً مشتركاً يفرض نفسه: لماذا تستمر دول الجنوب في تَحمّل جزء كبير من تبعات نظام دولي لم تشارك بالقدر الكافي في صياغة قواعده ومؤسساته؟

يمكن اليوم رصد 5 أوجه كبرى لاختلال النظام العالمي: اختلال استراتيجي، وقانوني وأخلاقي، واقتصادي، وتمثيلي، وتكنولوجي.

فعلى المستوى الاستراتيجي، عادت القوة العسكرية والتنافس الجيوسياسي إلى صدارة العلاقات الدولية. أما على المستوى القانوني، فإن مصداقية القانون الدولي تتراجع كلما شعر جزء من العالم بأن المبادئ والقواعد تطبَّق بانتقائية. ومن منظور الجنوب، فإن الاعتراض على ازدواجية المعايير ليس رفضاً للقيم الكونية، بل مطالبة بكونية أصدق وأعلى اتساقاً. فالسيادة، والوحدة الترابية، وحماية المدنيين، واحترام القانون الدولي الإنساني، ينبغي أن تحمل المعنى نفسه في كل مكان.

أما الاختلال الاقتصادي، فيتجلى في إعادة تشكيل العولمة وفق حسابات الأمن والسيادة الصناعية والاستقلال الاستراتيجي. غير أن تكلفة هذه التحولات لن تتوزع بالتساوي. فدول كثيرة في الجنوب مطالبة في الوقت نفسه بتمويل التعليم والبنى التحتية والتحول الرقمي والتكيف المناخي وخلق فرص الشغل، بينما تثقل المديونية قدراتها على التحرك.

ويبرز اختلال آخر يتعلق بتمثيلية المؤسسات الدولية. فما زالت مؤسسات كثيرة تعكس إلى حد بعيد «موازين عالم 1945» أكثر مما تعكس «حقائق عالم 2026». ولا يمكن لنظام دولي أن يحافظ على شرعيته على المدى الطويل إذا لم تتطور مؤسساته بالتوازي مع التحولات الديموغرافية والاقتصادية والسياسية الكبرى.

لكن التحول الأخطر قد يكون تكنولوجياً. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد ثورة تقنية، بل أصبح قضية اقتصادية واستراتيجية وثقافية وتعليمية وحضارية. وستقاس القوة مستقبلاً، بصورة متصاعدة، بالقدرة على التحكم في البيانات، والحوسبة، والرقائق الإلكترونية، والنماذج الذكية، والمنصات الرقمية، والكفاءات البشرية.

لهذا أوليتُ في سانتاندير أهمية خاصة لـ«نداء فاس» بشأن مستقبل الحضارة الإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي؛ وقد انطلق هذا النداء من قناعة بسيطة لكنها حاسمة: لا يمكن فصل التقدم التكنولوجي عن المسؤولية الأخلاقية. فالذكاء الاصطناعي ينبغي أن يبقى في خدمة الإنسان والكرامة والسلام والحوار، وألّا يتحول أداةً جديدةً للهيمنة أو التمييز أو التضليل أو الصدام بين المجتمعات.

والسؤال الحقيقي لم يعد: هل تستطيع البشرية تطوير آلات أعلى ذكاء وقدرة؟ فالجواب أصبح معروفاً. السؤال الأصعب هو: هل ستكون البشرية حكيمة بما يكفي لتحدد ما ينبغي لهذه الآلات فِعله، وما يجب ألا يُسمح لها بالقيام به؟

وهنا تلتقي قضية التكنولوجيا مع قضية النظام العالمي. فالعلاقة بين أوروبا والجنوب، خصوصاً أفريقيا، تحتاج بدورها إلى إعادة تعريف؛ إذ لم يعد من الممكن اختزال الجنوب في قضايا: الهجرة، أو الأزمات، أو المواد الأولية، أو المساعدات التنموية. فالمطلوب هو الانتقال من منطق المساعدة إلى منطق الإنتاج المشترك.

ويمكن للبحر الأبيض المتوسط أن يصبح مختبراً لهذه العلاقة الجديدة؛ فهو لم يكن عبر التاريخ مجرد حدود جغرافية، بل كان فضاءً لتلاقح الحضارات وانتقال العلوم والأفكار. ويكفي أن نستحضر ابن رشد الذي يذكرنا بأن الحضارات تتقدم بالحوار وتبادُل المعرفة، وابن خلدون الذي علمنا أن الظلم، مهما طال، يحمل في داخله أسباب انهيار العمران.

كما أن على أوروبا ألا تكتفي بالنظر إلى الجنوب، بل أن تتعلم النظر للعالم مع الجنوب. فالفرق جوهري: النظر إلى الجنوب يحافظ على المسافة بين المراقب والموضوع، أما النظر مع الجنوب فيعني الاعتراف بالشريك وتقاسم المسؤوليات وصياغة المستقبل بصورة مشتركة.