د. حسن أبو طالب
كاتب مصري، مستشار بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.
TT

إسرائيل بلا نتنياهو... آيزنكوت بديل محتمل وفلسطين غائبة

استمع إلى المقالة

أقل من شهرين تفصلنا عن الانتخابات الإسرائيلية المبكرة المقرر إجراؤها في السابع والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. مجمل القضايا والأوضاع العامة التي يعيشها الكيان، سواء داخلياً أو خارجياً، تجعل الانتخابات علامة فارقة قد تفصل بين عهديْن في أساليب إدارة الدولة وتسوية القضايا الداخلية الخلافية، فضلاً عن ترميم صورتها الخارجية جزئياً، لا سيما إن تشكلت حكومة يقودها ائتلاف يؤمن بأهمية إنهاء حقبة نتنياهو وهيمنة الليكود والأحزاب الدينية والقومية المتطرفة. أمَّا فلسطينياً فلا جديد مؤهل للظهور.

استطلاعات الرأي تبشر أحزاب يمين الوسط بقيادة حزب «يشار» برئاسة غادي آيزنكوت رئيس الأركان السابق، وبمشاركة تحالف «معاً» بقيادة بينيت ولابيد، بالفوز المتردد، أي أقل من 61 مقعداً، والذي يعوضه عدد المقاعد التي يرجح أن تحصل عليها الأحزاب العربية، والتي قد تكون ما بين 10 و14 مقعداً. التعويض هنا من أجل حصول الائتلاف على تأييد 61 مقعداً أو أكثر. ولكن تظل مشاركة الأحزاب العربية في الائتلاف المرجح غير محسومة.

الاستطلاعات ذاتها تنذر أحزاب اليمين المتطرف بفقدان الأغلبية المريحة التي تتيح تشكيل حكومة جديدة، والتي تُعد امتداداً للحكومة الحالية الأكثر تطرفاً في تاريخ الكيان. الأمران معاً يصبان في توقع خسارة نتنياهو حزبياً وشخصياً، ما يمثل حال حدوثه تغييراً كبيراً في الخريطة السياسية الإسرائيلية من حيث تركيبة الأحزاب التي ستشكل الحكومة المتوقعة، ومن حيث انتهاء حقبة الرجل القوي الذي يعتبر نفسه الحامي الأول للكيان، وحائط الصد الأكبر لكل ما يهدد وجوده.

لا تعود الخسارة المتوقعة إلى احتمال تفوق مقاعد أحزاب الوسط واليسار وحسب، بل إلى الاختلافات بين أحزاب الائتلاف اليميني الحاكم ذاته، بعضها يعود إلى فقدان الثقة في قيادة نتنياهو وتركيزه على مصالحه الشخصية وليس مصالح الدولة والاستيطان من وجهة نظرهم، وانصياعه للضغوط الأميركية وقبوله وقف الحرب على إيران. وثمة طموح لدى بن غفير أن يتجاوز هيمنة نتنياهو وأن يُنظر إليه شخصياً باعتباره السياسي الأكثر التزاماً بيهودية الدولة وتوسع الاستيطان وطرد الفلسطينيين. ويشير موقف بن غفير، الرافض بشدة لمجرد الحديث عن التحالف انتخابياً مع سموتريتش رغم ضغوط نتنياهو، إلى تقييمه السلبي لقيادته، وتوقعه خسارة الليكود زمام قيادة الحكومة المقبلة، ما يوفر له شخصياً مساحة من التأثير المهم على أي محاولات لتشكيل ائتلاف حاكم بعد الانتخابات، سواء من موقع الشريك أو موقع المعارضة.

وفي المقابل، يبدو نجم رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت رئيس حزب «يشار» آخذاً في الصعود، والأرجح أن يكون رئيساً للائتلاف الحاكم الجديد، في حال تجاوزت مقاعد حزبه تلك المقاعد التي قد يحصل عليها الليكود بقيادة نتنياهو، والشرط المهم هو أن ينجح في الوصول إلى تفاهمات منضبطة نسبياً مع تحالف «معاً» بقياد بينيت ولابيد، ومع الأحزاب الموصومة باليسار، مع دعم الأحزاب العربية، حتى ولو لم تكن طرفاً في الائتلاف الحكومي ذاته.

السؤال الذي يطرح نفسه في كل انتخابات إسرائيلية يتعلق بالمصير الفلسطيني، وما يرتبط به من احتمالات الانخراط في عملية تسوية متدرجة، تحاصر ولو جزئياً عملية إنهاك السلطة الفلسطينية، وتجمد الهجوم الاستيطاني المتصاعد في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهما السياستان اللتان ركزت عليهما حكومة اليمين الراهنة، والتي تسعى أحزابها إلى استكمال مهمة الاستيلاء على كامل الأرض الفلسطينية حال الفوز في الانتخابات المقبلة.

الخبرة السابقة طوال العقود الخمسة الماضية تثبت أن الخلافات الحزبية التي تدور حول قضايا داخلية بالأساس، كتجنيد الحريديم، والمبالغ المخصصة للمستوطنات، والعلاقة بين مؤسسات الدولة، وتفعيل أو تقزيم دور المؤسسات القضائية والرقابية، لا تمتد إلى السياسات الرئيسية الحاكمة لتسوية القضية الفلسطينية، والتي تجمع على رفض قيام دولة فلسطينية، وعدم التخلي عن القدس باعتبارها عاصمة أبدية للدولة اليهودية، ورفض حق العودة، والاستمرار في التوسع الاستيطاني إما بخطوات سريعة مصحوبة بصخب لأغراض داخلية، أو بخطوات متدرجة دون صخب ومراعاة للمعارضة الدولية المحتملة.

هذه الخبرة لا يوجد ما يشير في مواقف القوى الرئيسية إلى أنها قد تتجه إلى مسار آخر يقترب من الطموحات الفلسطينية المشروعة. نظرة إلى مواقف الأحزاب الوسطية واليسارية التي تراهن على إقصاء نتنياهو من الحياة السياسية تفصح عن بعض الجديد الجزئي والمحدود جداً لا أكثر ولا أقل. آيزنكوت النجم الصاعد يقدم رؤية تركز على تفعيل إدارة الدولة، لا سيما مؤسسات الأمن والاستخبارات، بعيداً عن الاستقطاب السياسي والمصالح الشخصية.

على الصعيد الفلسطيني ثمة ثلاث «لاءات» طرحها آيزنكوت، الأولى لا للدولة الفلسطينية، لأنَّ إقامتها في الوقت الحالي ستكون بمثابة جائزة للإرهاب حسب وصفه، والثانية لا سيادة إسرائيلية كاملة على يهودا والسامرة، أي الضفة الغربية المحتلة، لأن ذلك سيؤدي إلى دولة ثنائية القومية، ومن ثم تنهي مبدأ يهودية الدولة، وهذا مرفوض لديه. والثالثة لا لأي إجراء يهدد قيام أغلبية يهودية متماسكة بين البحر والنهر، ما يعني رفض ضم السكان الفلسطينيين. لكن دون أن يوضح كيفية إدارة الكتلة السكانية الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة. اللاءات الثلاث يكتمل سياقها مع رؤية آيزنكوت في جلب مليون مهاجر يهودي جديد خلال العقد المقبل، لتعزيز القوة السكانية اليهودية في الأراضي المحتلة. الأمر إجمالاً يستحق النظر في مسارات فلسطينية أكثر فعالية مما اعتادت عليه.