لماذا تنقسم النخب العربية وأهل الرأي العرب، حتى اليوم، حول الموقف من إيران؟ حيث يميل عدد منهم لإيران في موقفها المتعنت، من إغلاق مضيق هرمز وخنق الاقتصاد في الخليج وفي العالم، بل إن عدداً من النخب العربية يقدم سردية تشابه تماماً السردية الإيرانية، ويتجاهل الضرر الجسيم الذي وقع ويقع على جزء من العرب، هم سكان دول الخليج؟ هل السبب ثقافي، أم آيديولوجي، أم مصلحي، أم أن بعضهم يتخذ موقفه نكاية بالطرف الآخر؟ الأهم من ذلك: لماذا يصر بعض ممن نسميهم نخبة على قراءة المشهد بعين واحدة؟ ذاك بالمناسبة ليس بجديد، فالبعض نتيجة ضباب الرؤية، يتحيز للموقف الخطأ، ويقع في مرحلة انعدام الوزن ويدافع عن موقفه وإن كان خارج المعقول!
تذكرت واقعة قديمة. كنت في إجازة في بيروت، الثلث الأخير من فبراير (شباط) 1996، وكان الوقت أيام عيد الفطر، وفي تلك الأيام عاد حسين كامل إلى بغداد، بعد فراره إلى الأردن. كانت الأخبار تقول إن النظام العراقي عفا عنه وعن أخيه صدام كامل، وإن صفحة الخلاف قد طويت.
اجتمعنا في منزل أحد الأصدقاء، وكان من بين الحضور عدد من المثقفين العرب. دار الحديث، بطبيعة الحال، حول عودة حسين كامل. والمفاجأة بالنسبة لي أن الرأي بالإجماع، كان أن قرار العفو دليل على أن في العراق دولة ومؤسسات، وأن العراق يمكن أن يوضع، كما قال عدد من المتحدثين.
كنت الوحيد الذي اعترض. قلت إنني لا أرى الأمر بهذه الصورة، وإن معرفتنا بطبيعة النظام العراقي وطريقة إدارته للصراع تجعلني أشك كثيراً في حكاية العفو ونهاية القضية.
لم ننتظر طويلاً. خلال الأربع والعشرين ساعة التالية تقريباً، صُفّي حسين كامل وأخوه بطريقة بشعة. وقيل يومها إن العائلة هي التي قامت بذلك، لا الدولة. لم تكن المسألة بالنسبة لي انتصاراً في نقاش. المسألة أن الوقائع المتاحة كانت تقول شيئاً، بينما الرغبة في تصديق صورة أخرى كانت تقول شيئاً مختلفاً.
هذه الحادثة تكشف مشكلة أوسع في جزء وازن من النخب العربية، وكأن الصفة تمنح حاملها تلقائياً حصانة من الوهم. والحقيقة أن التعليم لا يمنع الإنسان من أن يكون أسير فكرة مسبقة، وربما منحه أحياناً قدرة أكبر على تبريرها. في كل الأزمات العربية، نجد نخباً تدافع عن الموقف الخطأ!
التفسير أن جانباً كبيراً من ثقافتنا السياسية الحديثة نشأ على شعارات، أكثر مما نشأ على التفكير النقدي. الكل، القومي آمن بشعاراته، وصاحب الإسلام السياسي آمن بشعاراته، واليساري فعل الشيء نفسه، ثم جاء من يضع «المقاومة» في مرتبة القدسية لا يجوز مساءلتها في أخطائها الكارثية، اختلفت الرايات، ولكن طريقة التفكير بقيت متشابهة.
ومن هنا يمكن فهم جانب من الانقسام العربي حول إيران، هناك من يرى إيران من خلال عدائها لإسرائيل والولايات المتحدة، ومن يراها من خلال انتماء مذهبي أو آيديولوجي، ومن يتعاطف معها نكاية بحكومة عربية يختلف معها، وربما هناك مصالح مباشرة أيضاً. ولا ينظرون إلى السياسة التوسعية التي تقوم بها، وتعطيل عدد من الدول العربية بإنشاء الميليشيات المسلحة داخلها، كما يتجاوزون الوضع الداخلي الإيراني، الذي يحرم ملايين البشر من أبسط حرياتهم. الحروب الأخيرة، بكل خسائرها ونتائجها وتحولاتها، لم تدفع البعض إلى مراجعة قاموسه السياسي. ما زلنا نسمع، أن ما حدث ليس سوى خطوة في طريق النصر الكبير. ولا يسأل ماذا كان الهدف؟ ماذا تحقق؟ ماذا خسر كل طرف؟ وكيف أصبحت موازين القوة بعد الحرب؟ تحويل الأمنيات إلى نتائج، ليس تحليلاً عقلانياً. يكفي أن نشاهد بعض ما تقوم به إيران من رفض التقيد بالقانون الدولي وكيف تقلب الحقائق، بل وتهدد الجوار: إن استغنيتم عن مضيق هرمز فسوف نهاجمكم! أسمي ذلك الموقف لبعض النخب العربية «العمى المنهجي». وهو أخطر من نقص المعلومات. فالمعلومة يمكن الحصول عليها على وجه قريب إلى الدقة، أما المنهج المعطوب فيلوي يد الحقيقة، ويضعها في المكان الخطأ، أو يهملها لأنها تزعج اليقين عنده. ربما لهذا بقيت ملفات عربية شائكة، يجادل فيها عشرات السنين. وتغير المفاهيم حسب الهوى السياسي، وتسمى الهزيمة انتصاراً. الاعتراف بالخطأ عند هذا البعض هزيمة شخصية، مع أنه في المعرفة فضيلة. لذلك يستمر الخطأ، ويُعاد تغليفه بلغة جديدة وشعارات زاعقة، ويقدم للجمهور على أنه قراءة حقيقية للواقع. ومع إيران تحديداً، نحن في حاجة إلى إخراجها من التحيز، وقراءتها كما هي دولة توسعية مسكونة بآيديولوجية توسعية، وإلا بقينا أسرى المصيدة القديمة نفسها، النظر بعين واحدة.
آخر الكلام: النخبة الحقيقية ليست التي تعرف أكثر، بل هي التي تستطيع أن تقول، أمام واقعة جديدة: كنت مخطئة.
