عاصفة من السكون الأبيض تهبّ كالإبر على بطاح مترامية يقول العلماء إنها «حدود الممكن» لحياة الإنسان والحيوان والنبات على الأرض، وطبيعة صخرية مثلّجة تقف عند شفا اليابسة على أعتاب القطب المتجمد الشمالي المترنح حول عنق الكرة الأرضية.
نحن في سفالبارد، السواحل الباردة باللغة النرويجية؛ حيث تنهار قدرة الإنسان على البقاء، وتعجز الحيوانات عن مواصلة دورة الحياة، وينهزم النبات أمام نواميس الضوء والتراب. وحشة المكان تتجلّى هنا على تخوم قسوة الطبيعة حيث تتراوح «الحرارة» بين ثلاثين وخمسين درجة مئوية تحت الصفر في الشتاء وتنعدم قابلية النبات على النمو وتتراجع قدرة الكائنات على الثبات.
لكن سحر أقصى البقع المأهولة في شمال الأرض يخفي سرّه وراء خمار مذهل من النور والظلام، ويتبدّى في توق الطبيعة الجارف إلى التجدد والبقاء. مع نهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام يبدأ موسم الليل القطبي الطويل، فتنسدل غشاوة من الكآبة فوق بساط من «غبار السكّر المجلّد» على امتداد الأرخبيل، وتبدأ لعبة اقتناص الأضواء الخافتة التي تسعى إليها الجوارح والكواسر من أجل بقائها. ولن تعود الشمس إلى البزوغ قبل انتصاف فبراير (شباط)، لتدبّ الحياة من جديد مع النور المتدرّج في إيابه، فترجع الطيور المهاجرة، وتخرج الدببة والثعالب القطبية الناصعة البياض من كهوفها، وتستأنف الحيتان وفيلة البحر وأجناس الفقمة استعراضاتها المذهلة في المياه التي استعادت بعض الدفء. وما إن تطلّ الزهور البنفسجية بأعناقها فوق بقايا الثلج، يكون قد أزف موعد هذا العرس القطبي الفريد مع شمس منتصف الليل.
نصف الدببة القطبية تعيش وتربّي صغارها في هذا الأرخبيل المعزول عن العالم، الذي تقصده ملايين الطيور البحرية كل صيف. وعلى سواحل سفالبارد المكتظة بالفقمة وفيلة البحر يتناسل اثنا عشر نوعاً من الحيتان، وفي الداخل تسرح قطعان الرنّة والثعالب القطبية النادرة، والكل يتكافل في دورة الغذاء والبقاء المذهلة بفضل التيار البحري «غولف ستريم» وما يحمله من دفء وملوحة.
مطالع القرن الماضي حسمت معاهدة سفالبارد النزاع على هذه الجزر التي كانت تطمح روسيا والسويد إلى ضمّها، وألحقتها بمملكة النرويج التي أعلنتها منطقة اقتصادية خالصة ومنزوعة السلاح، ثم قررت تحويلها إلى محمية طبيعية بعد أن كانت أحد أكبر مراتع الصيد الجائر للحيتان والحيوانات البحرية منذ اكتشافها على يد بحّار هولندي أواخر القرن السادس عشر.
معظم سكان سفالبارد، الذين لا يتجاوز عددهم ثلاثة آلاف، هم من العلماء والباحثين النرويجيين والأميركيين والصينيين، والروس الذين كانوا قد استقروا هناك بأعداد كبيرة إبّان الحرب الباردة، وما زال تمثال لينين الضخم يرتفع إلى اليوم وسط المجمع الذي يضم مركز أبحاثهم.
لكن درّة هذا الأرخبيل المخفية في عمق جباله، هي «مكتبة الحياة» التي لنا عود إليها الأسبوع المقبل.
