مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

فحيمة وعقيلة وخريسات وحديث الطائرات

استمع إلى المقالة

في توقيت متزامن، رحل عن دُنيانا الأمين خليفة فحيمة عن عمر ناهز 70 سنة... وقرّرت القاضية الأميركية الفيدرالية إرجاء محاكمة أبو عقيلة محمد مسعود.

ماذا يجمع بين الخَبرين؟

كارثة تفجير طائرة مدنية أميركية تحمل 259 شخصاً، وسقوط هذه الطائرة أو أشلاء الطائرة والبشر فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية، وموت 11 شخصاً من أهل القرية، بسبب هذا الهلاك النازل من السماء الحمراء.

صارت تُعرف الأزمة بـ «أزمة لوكربي» نتيجة تفجير طائرة «بان أميركان» الرحلة رقم 103 المتجهة من فرانكفورت إلى نيويورك عبر لندن، فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية عام 1988.

فحيمة كان موظّفاً ليبياً في شركة الطيران الليبية، في محطّة مالطا، اُتهم بالتورط في الهجوم، هو ومواطنه الآخر عبد الباسط المقرحي. فحيمة برّأه القضاء الاسكوتلندي لاحقاً، في محكمة شُكّلت لهذه القضيّة في هولندا، أمّا المقرحي فأدين وسُجن، ليخرج بعد سنوات وهو مريضٌ بالسرطان، ثم توفّي في ليبيا.

أمّا أبو عقيلة فهو ضابط مخابرات ليبي في عهد القذّافي تسلّمته أميركا بعد سنوات طويلة من حادثة لوكربي، مُتهماً هو الآخر بالضلوع في الجريمة.

الجامع بين هؤلاء الليبيين هو إصرارهم على البراءة من تفجير طائرة الركاب المدنية الأميركية.

في المسلسل الذي عُرض على «نتفليكس» مؤخراً عن هذه القضية -سبق التنويه عنه هنا- جرى إيراد اسم آخر غير ليبي، اسم فلسطيني هو مروان خريسات المتخصص في تلغيم أجهزة الراديو، وهو عضو في جماعة أحمد جبريل.

تُوفّي خريسات عن عمر ناهز 70 سنة في العاصمة الأردنية، وخرجت ابنته سها خريسات في مقابلة مع صحيفة «ذا ميرور» البريطانية عام 2018 بالتزامن مع الذكرى الـ30 لتفجير طائرة لوكربي، لتؤكد أنَّ والدها ترك قبل رحيله «ملفاً سرّياً كبيراً ومستندات وتسجيلات» تحتفظ بها والدتها (زوجته)، توثق بالدليل القاطع أنَّ أحمد جبريل الذي توفي في دمشق عن عمر ناهز 83 سنة، نفَّذ عملية لوكربي بناءً على صفقة مالية ضخمة ومباشرة مع الحكومة الإيرانية.

بعد كل هذه «الحوسة» الليبية، وبعد حصار وعقوبات قاسية ضد ليبيا كلها أيام القذافي بسبب هذه القضية، ذاب الثلج وبان المرج، وعملاء إيران هم الذين نفذوها، من خلال جماعة يرعاها نظام حافظ الأسد، إذا ما صدق وجود الملف السري الذي يؤكد ذلك. الحسابات الأميركية والبريطانية وقتها (أثناء حرب الخليج وطرد صدّام) آثرت، كما يبدو، التركيز على المسار الليبي!

لا يعني هذا براءة نظام القذافي من احتراف الإجرام وتنفيذ العمليات الخارجية والتعاون مع شبكات الإرهاب، لكنه يعني غباء النظام وعناده السطحي، وألاعيب السياسة الدولية، وعراقة النظام الإيراني في مصائب المنطقة والعالم.