سوسن الأبطح
صحافية لبنانية، وأستاذة جامعية. عملت في العديد من المطبوعات، قبل أن تنضم إلى أسرة «الشرق الأوسط» بدءاً من عام 1988، كمراسلة ثقافية من باريس، ثم التحقت بمكتب الجريدة في بيروت عند افتتاحه عام 1995. تكتب بشكل رئيسي في المجال الثقافي والنقدي. حائزة درجة الدكتورة في «الفكر الإسلامي» من جامعة «السوربون الثالثة». أستاذة في «الجامعة اللبنانية»، قسم اللغة العربية، عام 2001، ولها دراسات وأبحاث عدة، في المجالين الأدبي والفكري.
TT

كيف استسلمت الجامعات؟

استمع إلى المقالة

يصعب تصور حجم الانقلاب الذي أصاب المؤسسات التعليمية في غضون سنوات قلائل، مع تعتيم وسكوت مريبين. فقد انتقلت المدارس والجامعات، خلال ثلاثة أعوامٍ فقط، من محاربة الذكاء الاصطناعي، ومنعه، ومعاقبة مستخدميه من الطلاب، إلى تشجيعهم على الاستعانة به، وتنظيم ورشٍ تعليمية، ومعاهد متخصصه لدمجه في المناهج، والمواد الدراسية.

في فترة وجيزة حدث ما لا يصدق! فعندما تم إطلاق خدمة «تشات جي بي تي» عام 2022، واكتشف المعلمون خطورته، سارعت وزارة التعليم في ولاية نيويورك إلى حظر استخدامه على الأجهزة التابعة لها. وفي أوروبا ودول آسيوية وعربية استنفرت الجامعات لمنع استعمال التطبيق، وكشف المخلّين، وحظر ما اعتبرته غشاً موصوفاً. ولمكافحة هذا الانحراف الذي أحدث قلقاً وخوفاً في الأوساط الأكاديمية تمت الاستعانة بأدوات كشف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي، وتنافست الجامعات والمدارس لحماية نظمها التعليمية، ودرء الخطر عن طلابها، والحفاظ على القيمة العلمية لشهاداتها.

لم يحتج الأمر أكثر من عامين ليدرك المعلمون أن كل أدوات التتبع التي زُودوا بها، واستبشروا خيراً، لم تكشف غشاً، ولم تأتِ بنتائج حاسمة، وأن عدد طلابهم الذين يلجأون إلى هذه الأداة السحرية يتزايد باستمرار، لا بل هم أعجز من أن يلحقوا بهم، أو حتى أن يستخدموها بالمهارة نفسها. وبينت دراسات أن غالبية الطلاب ينجحون، بل ويحضّرون أطاريحهم للماجستير والدكتوراه استعانة بما تيسر من التطبيقات الذكية. شركة «تورنيتن» -المزود الأكبر بأجهزة كشف الانتحال- اعترفت بأنها فشلت في القبض على آلاف الأوراق البحثية المولدة. الأسوأ من ذلك أن طلاباً بالجملة، من غير الناطقين بالإنجليزية، في أميركا مثلاً، اتهموا زوراً بالغش لأن كتاباتهم بسيطة، وعباراتهم مكرورة، وتشبه في ركاكتها النصوص المولّدة إلكترونياً. وأظهر تحليل لـ250 ورقة بحثية خضعت لأجهزة «تورنيتن» أن ثلاثة أرباعها مولدة جزئياً أو كلياً بالذكاء الاصطناعي. النتيجة كانت أن العمر الذهبي لهذه الأجهزة -التي أريد منها أن تكون إنقاذية للتعليم- لم يتجاوز الأشهر قبل أن تعلن الجامعات ومراكز الأبحاث استسلامها أمام تسونامي النصوص المولدة.

التطورات والقفزات جاءت فجائية، بحيث لم تجد الهيئات التعليمية فرصة لالتقاط الأنفاس، أو التردد، أو إثارة القضايا، ومناقشتها. لم يعد السؤال كيف نقبض على الطالب المتلبّس بسرقة معلومات الذكاء الاصطناعي، وأداء ملكيتها، إنما كيف نساعد هذا الطالب الذي لا يمكن ردعه كي لا يتحول إلى مجرد كائن يسأل، والآلة تجيب، من دون أن يمتلك المعرفة، أو المهارة؟

استطلاع لمؤسسة «غالوب» المعروفة بيّنَ أن نصف طلاب الجامعات فكروا، والحالة على هذا القدر من الغموض، بتغيير اختصاصاتهم بسبب الذكاء الاصطناعي، و16 في المائة منهم غيروه فعلاً. فما أهمية شهادة دكتوراه يكتب أطروحتها روبوت؟ وما قيمة باحث بشري يقضي شهوراً لإنتاج ورقة علمية بمقدور جهاز صغير إنتاج أفضل منها في لحظات؟ وهل من الحكمة أن يتخلى إنسان عن الإفادة من بحر من المعرفة، ولا يغرف منه، بحجة أنها سرقة؟

الجميع في سباق مع الوقت. الجامعات تؤهل أساتذتها ليتمكنوا من اللحاق بطلاب سبقوهم بأشواط، من دون أن يكشفوا عن حيلهم الإلكترونية. والأستاذ يبقى -ولو اكتشف الخديعة- عاجزاً عن إيجاد المخرج. إذ إن الخيارات أصبحت معدومة.

الحلول مرحلياً هي بالعودة على السبل القديمة في التقييم. تترك طالبك يفعل ما يريد، ثم تأتي لحظة الاختبار التي باتت تعتمد بشكل أساسي على الكتابة في الصف بعيداً عن الأجهزة، ثم اعتماد الاختبارات الشفهية والمحادثة لكشف مدى استيعابه، واستقلاله عن الآلة التي كتبت له، وأمدته بالمعلومات. لم يعد الهدف منع الغش، فهذا من المسلّمات المقبولة، بل إنقاذ الطلاب من كارثة فقد قدراتهم التحليلية الخاصة، وروحهم النقدية، وإثبات فطامهم عن الآلة حين يضطرون إلى ذلك.

البعض يشبه رضوخ المعلمين لاستخدام الذكاء الاصطناعي بقبولهم الآلة الحاسبة في درس الرياضيات، مع فرق هائل بين الحالتين، لأننا أمام أداة قادرة على فعل كل شيء تقريباً، تكتب بحثاً، تحل مسألة برمجية، تحلل نصاً، تقوم بإنشاء مشروع هندسي متكامل. الصعب ليس حظر البرامج، بل استيعاب إمكاناتها أولاً، ومن ثم التفكير في طريقة التعامل معها. ولكن كيف تفهم حدود وطاقة آلة تتطور كل لحظة، خصوصاً أن ما يمكنها أن تفعله غداً ليس حتى في وسع مخيلتك الخصبة تصوره.