أليسون شراغر
بالاتفاق مع «بلومبرغ»
TT

هل يمكن للثقافة المالية أن تكون إجبارية

استمع إلى المقالة

تبين لي - ليس فقط من خلال عينتي المحدودة، بل كذلك عبر استطلاعات رأي أكثر دقة وتمثيلاً - أن عدداً مثيراً للدهشة من الناس يسيرون على غير هدى فيما يخص إدارة أموالهم. اللافت أن الأمر لا يقتصر على فئة الشباب وإدمانهم لخدمات توصيل الطعام، بل معضلة تتوارثها الأجيال عبر مختلف مستويات الدخل والثروة، وتزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

إلى حد ما، لا يُعد الجهل المالي أمراً طارئاً؛ فعلى مدى عقود، عجز معظم الأفراد عن الإجابة عن أسئلة أساسية ترتبط بالاستثمار، فضلاً عن تعثر كثيرين في ادخار أموال كافية. ومع ذلك، استطاع الناس بطريقة ما التأقلم وتدبير أمورهم؛ إذ ظلت مؤشرات الرفاه المالي مستقرة نسبياً، كما يعبر المتقاعدون عادة عن رضاهم عن نمط معيشتهم.

غير أن هذا الاستقرار مرشح للتغير؛ فالبيئة المالية باتت أكثر تعقيداً بكثير اليوم، وصار ارتكاب الأخطاء الفادحة أسهل من أي وقت مضى. ويمكن لأي شخص الآن استخدام هاتفه للرهان عبر بطاقات الائتمان، أو المشاركة في التداول اليومي في البورصة من خلال تطبيق إلكتروني، أو طلب أي وجبة بسيطة لتصل إلى باب بيته. وعليه، لم يكن مستغرباً أن تصل مستويات الديون العائلية إلى أرقام قياسية غير مسبوقة.

علاوة على ذلك، يزداد تراجع مستوى أداء الأفراد في التعامل مع المال. من جهته، ينظم «معهد تي إيه إيه» استطلاعاً سنوياً حول الثقافة المالية، ورصد على مدار الأعوام العشرة الماضية تراجعاً ملحوظاً في القدرة على الإجابة عن الأسئلة الأساسية المتعلقة بالاستثمار، والتخطيط للتقاعد، وإدارة المخاطر، وإعداد الميزانية، والمنتجات المالية.

وفي أحدث استطلاع رأي، سجل «جيل زد» أدنى المستويات؛ إذ عجز نصفهم تقريباً عن الإجابة عن أكثر من سؤالين فقط في شؤون الأمور المالية الشخصية.

ويأتي هذا التراجع رغم الجهود المكثفة في السنوات الأخيرة لإدخال حصص الثقافة المالية إلى المدارس الثانوية، والتوجه الرسمي في العديد من الولايات الأميركية لجعل تعليم الثقافة المالية إجبارياً. والملاحظ كذلك أن الأجيال الشابة أصبحت أكثر ميلاً لطلب النصيحة المالية من الذكاء الاصطناعي أو صناع المحتوى على منصات التواصل.

وعند طرح سلسلة من الأسئلة تناولت ثمانية موضوعات مالية، لم يتجاوز متوسط الإجابات الصحيحة لدى البالغين في الولايات المتحدة نسبة 47 في المائة، مع ميل واضح لتراجع الثقافة المالية لدى الأجيال الأصغر سناً. (مركز التميز العالمي للثقافة المالية، «عقد من متابعة الثقافة المالية في أميركا»، يونيو/ حزيران 2026).

وربما يعود السبب في ذلك إلى أن معظم هذه البرامج التدريبية والنصائح ليست على قدر كبير من الجودة؛ إذ غالباً ما تتسم برامج الثقافة المالية بالسطحية أو يكون قد عفّى عليها الزمن، أو أنها تغفل دروساً جوهرية. وحسب مات ليفين، قد تغطي تلك البرامج مفهوم الفائدة المركبة، لكنها لا توضح السبب وراء إعطاء بعض الأصول - تحديداً ذات المخاطر العالية - عائداً أعلى من غيرها. ورغم أن برامج الذكاء الاصطناعي لا تقدم نصائح كارثية بالضرورة، فإن نزعتها لتملق المستخدم قد تقود إلى إصدارها توجيهات سلبية. على سبيل المثال، قدم لي أحد هذه البرامج مسوغاً مطولاً لشراء حقيبة يد من علامة تجارية فاخرة عبر الاقتراض، مدعياً أنها قد تشكل استثماراً جيداً.

أضف إلى ذلك التحديات الاقتصادية الكبرى؛ إذ بات على الأفراد التعامل مع مخاطر التضخم المتزايدة، في وقت يواجه سوق العمل تحولات هيكلية ضخمة. وفي الوقت نفسه، أصبحت عملية تنويع المحفظة الاستثمارية أكثر صعوبة، في ظل تركز الأسواق في أيدي عدد محدود. كما أن الانتعاش المستمر لسوق الأسهم قد يُغري الكثير من المستثمرين بتجاهل احتمالية الخسارة؛ فقد ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بأكثر من 500 في المائة منذ عام 2010، وحقق نتائج أعلى لمن استثمروا في أصول عالية المخاطر، مثل العملات المشفرة، التي توحي بثروة لا تنضب.

وقد يخلق هذا التدفق للثروة شعوراً زائفاً بالأمان؛ فالشخص الذي يعتقد أن الأسواق والناتج المحلي الإجمالي سيواصلان الارتفاع دون توقف، يعيش غالباً في عالم يخلو من قيود الميزانية أو المفاضلات المالية؛ فلمَ لا ينفق خمسة عشر دولاراً مقابل الحصول على خدمة وجبة مثلجة بسيطة إلى باب بيته؟

وإذا استمر السوق في الصعود على مدار الأعوام الـ50 القادمة، فقد تمضي الأمور على ما يرام، لكن تبقى هذه مجازفة كبرى. إن الهدف الحقيقي من الثقافة المالية لا يقتصر على تعليم الأفراد كيفية الادخار لمرحلة التقاعد فحسب، بل يمتد لتدريبهم على إدارة المخاطر على امتداد مسيرتهم المهنية، ليكونوا على أهبة الاستعداد في حال تقلب الأسواق أو تدهور الاقتصاد.

والهدف تمكينهم من التمييز بين الديون الجيدة (كالقروض الموجهة لنيل شهادة في الطب) والديون الرديئة (كالاقتراض لشراء حقيبة يد فاخرة).

كيف تبدو إذن منظومة التعليم المالي الأفضل؟ يجب أن تكون أشد صرامة في المقام الأول، وأن يجري تحديثها لتتضمن دروساً حول كيفية التعامل مع صناع المحتوى وبرامج الذكاء الاصطناعي. كما ينبغي ألا تتوانى عن توضيح العواقب بشفافية أمام الأفراد.