في زمن الحرب، لا تكتفي الأطراف المتصارعة بمحاولة كسب الأرض؛ فثمة جبهة أخرى لا تقل خطورة تمتد فوق الشاشات والمنصات ودوائر الاتصال. من يملك المعلومة؟ ومن يحدد مصدرها؟ ومن يقرر ما الذي يجوز أن يصل إلى الجمهور؟ ومن يملك حق الحديث مع الخارج؟ في هذا السياق تبدو السياسة الإيرانية تجاه الإعلام الأجنبي، والسياسة الحوثية تجاه العمل الصحافي في مناطق السيطرة، وجهين لعملة واحدة. إنهما سياستان تصدران عن عقل اتصالي واحد، وهو عقل يستهدف تحويل المجال الإعلامي من ساحة للتحقق وتعدد الروايات إلى ساحة أمنية لا يُسمح فيها إلا بالمعلومة التي تمر عبر بوابة السلطة.
في إيران، اتخذ هذا المنطق صورة تشريعية صريحة؛ فقد أقر البرلمان، في 16 أغسطس (آب) الحالي، الإطار العام لمشروع قانون لمواجهة ما تسميه طهران «التغلغل الأجنبي»، وهو قانون يُجرّم التواصل مع وسائل إعلام تصنفها السلطات «معادية للجمهورية الإسلامية»، وفي مقدمتها المؤسسات الأميركية والإسرائيلية. ويشمل المنع إجراء المقابلات والمشاركة في النقاشات أو أشكال أخرى من الاتصال، مع عقوبات بالسجن تتراوح بين ستة أشهر وعامين. أما التعامل مع وسائل إعلام أجنبية أخرى فيتطلب، وفق الصيغة المطروحة، إجراءات إخطار مُسبق. ويمتد المشروع إلى تنظيم الاتصالات في السفارات والمنظمات الأجنبية وبعض الأنشطة الأكاديمية والثقافية، بما يكشف أن المسألة تتجاوز الإعلام إلى محاولة إحاطة المجال العام كله بسياج من الرقابة الأمنية. والمشروع لم يصبح قانوناً نافذاً بعد؛ فما زال يحتاج إلى استكمال المراجعة التشريعية وموافقة «مجلس صيانة الدستور».
أما في صنعاء، فتأخذ الفكرة شكلاً ميدانياً أكثر مباشرة؛ فقد فرضت السلطات الحوثية قيوداً على الصحافيين وصُنّاع المحتوى، تمنع إجراء المقابلات أو التقاط الصور دون تصاريح، وتضع العمل الإعلامي تحت سلطة الموافقة المُسبقة، وفق ما ذكرته «الشرق الأوسط» في تقرير لها، نشرته الأسبوع الماضي.
وفي سياق الحرب، تصبح هذه القيود أداة للسيطرة على ما يراه الجمهور وما لا يراه؛ فالمواقع المُستهدفة لا تُصوَّر بحرية، وشهادات السكان لا تُترك بالضرورة لتصل إلى الجمهور مستقلة عن الرواية الرسمية، والعمل الميداني نفسه يصبح امتيازاً تمنحه السلطة لا حقّاً مهنياً يمارسه الصحافي. وقد وصفت منظمات دولية معنية بحرية الصحافة هذه الإجراءات بأنها جزء من نمط أوسع من الترهيب والاعتقال وتقييد الحركة والوصول إلى المعلومات في اليمن.
وهنا تتضح وحدة الاستراتيجية. إيران تحاول أن تتحكم في «مَن يتحدث إلى مَن». والحوثيون يحاولون أن يتحكموا في «مَن يرى ماذا». إيران تضبط قناة الاتصال قبل أن تُنتج المعلومة، والحوثي يضبط الوصول إلى الواقع قبل أن تتحول الوقائع إلى مادة صحافية. وفي الحالتين لا يعود السؤال: هل المعلومة صحيحة أم كاذبة؟ بل يصبح: هل سمحت السلطة أصلاً بأن توجد هذه المعلومة في المجال العام؟
لهذا، ينبغي وضع السياستين الإيرانية والحوثية في السياق الأوسع؛ فالحرب الحديثة حرب على الإدراك بقدر ما هي حرب على الأرض والنفوذ. الصورة قد تصبح سلاحاً، والمقابلة قد تتحول إلى أداة تأثير، والشهادة الفردية قد تهدم رواية رسمية كاملة. ومن الطبيعي أن تسعى الدول والجماعات المسلحة إلى حماية المعلومات العسكرية الحساسة ومواجهة التضليل والتلاعب الخارجي. لكن ذلك لا يجري عبر التعتيم الكامل والإظلام التام.
المشكلة تبدأ عندما يُستبدل التعميم بالتمييز؛ فليس كل صحافي يتحدث إلى وسيلة أجنبية عميلاً، وكل وسيلة أجنبية ليست بالضرورة أداة استخباراتية، وليست كل صورة لموقع قصف عملية تجسس، وليست كل رواية مخالفة للرواية الرسمية جزءاً من حرب نفسية. هذا التعميم خطل من الناحية الأمنية قبل أن يكون خطأً إعلامياً؛ لأنه يساوي بين التهديد الحقيقي والاتصال المشروع، ويستنزف قدرة المؤسسات على اكتشاف المخاطر الفعلية وسط بحر من الأفعال التي لا تشكل خطراً.
ثم إن الرقابة الشاملة لا تقتل الرواية المنافسة، بل تدفعها إلى سياق اتصالي آخر. وعندما تُغلق القنوات المهنية، ينتقل الجمهور إلى منصات مجهولة ومصادر أقل قابلية للتحقق، فتزداد قابلية البيئة المعلوماتية للاختراق والشائعات والتضليل.
الأكثر خطورة أن احتكار الرواية يفسد وظيفة الإعلام التي تحتاج إليها السلطة نفسها في زمن الحرب؛ فالدولة تحتاج إلى صحافة تستطيع اختبار الادعاءات، واكتشاف الشائعات، ونقل معاناة المدنيين، وتصحيح الأخطاء، وتقديم صورة دقيقة عن الوقائع.
إن السياستين الإيرانية والحوثية، بهذا المعنى، لا تكشفان عن فائض قوة بقدر ما تكشفان عن أزمة ثقة في قدرة الرواية الرسمية على الصمود أمام روايات أخرى؛ فالسلطة التي تثق بحجتها لا تحتاج إلى تجريم السؤال، والنظام الذي يثق بمعلوماته لا يخشى المقارنة. أما حين يصبح الاتصال جريمة والصورة خطراً والشاهد مُشتبهاً فيه، فإن المشكلة لا تعود في الإعلام وحده؛ بل تصبح أزمة في علاقة السلطة بالحقيقة نفسها.
