مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

إنفانتينو... «رُبَّ كلمة»

استمع إلى المقالة

جاء في كتاب «مَجمع الأمثال» لأبي الفضل الميداني، في شرح هذا المثَل: «رُبَّ كلمةٍ تقولُ لصاحبها دَعْنِي».

يُضرب في النهي عن الإكثار مخافة الإهجار (والإهجار هو لغو القول وساقطه).

ذكروا أن ملكاً من ملوك حِمْيَر خرج مُتَصَيِّداً ومعه نديم له كان يُقَرِّبه ويكرّمه، فأشرف على صخرة مَلْساء، وقَف عليها، فقال له النديم: لو أن إنساناً ذُبِحَ على هذه الصخرة إلى أين يبلغ دمه؟ فقال الملك: اذبحوه عليها ليرى دمه أين يبلغ، فذُبح عليها، فقال الملك: رُبَّ كلمة تقول لصاحبها دعني.

حضرني هذا المثَل وتلك الحكاية، وأنا أقرأ عن واقعة «استظراف» رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) وهو السويسري جياني إنفانتينو.

الرجل قال لأحد الصحافيين مازحاً: أراك عند مُصفّف الشعر... لأن الصحافي كان لامع الصلعة أملسُها، مثل زعيم الفيفا!

جرى ذلك بعدما حضر إنفانتينو بطولة الشباب في جمهورية الدومنيكان رغم طلب اتحاد كرة القدم في أميركا الشمالية (كونكاكاف) منه عدم الحضور، بسبب انشغال الإعلام العالمي بشرعية وجود الرجل في قيادة الفيفا، بعد الكلام الكثير عن جدارته الإدارية ونظافته المالية.

هل يكون هذا الاستظراف أو «التهاضم» من كلمة الهضامة باللهجات الشامية التي تعني خِفّة الظِلّ، تسريعاً لجهود خصومه في عزله، لأنه يتصرّف على نحوٍ استهتاري استفزازي؟!

أحياناً «تحكم القافية»، كما يُقال، ولا يجد المرءُ مهرباً من تحرير النكتة من جوفه، والبوح بها، على طريقة: «سبَق السيفُ العذل».

من أشهر الحكايات عن ذلك حكاية الأديب المصري الساخر محمود السعدني أو الولد الشقي، يُروى أن جواسيس السادات سمعوه عبر الهاتف وهو يقول: «عبد الناصر أشبع المصريين خوفاً طوال 18 عاماً، بينما السادات موّت المصريين من الضحك خلال 18 يوماً»... فدخل هو السجن!

لا ريب أن النكتة أو التعليق الساخر قد يكونان سلاحاً ماضياً قاطعاً ضد الخصوم، وقديماً سخرت الشعوب أو سخر بعض الساسة من خصومهم، وتبارى الشعراء في الإمعان بالسخرية من الخصوم، وكثيراً ما قدّموا خدماتهم هذه لنيل رضا السلطة... هذا في فنّ الشعر، ومن أشهر الهجائيات العربية في فنّ الترسّل والنثر ما كتبه أبو حيّان التوحيدي في كتابه «مثالب الوزيرين».

وفي الغرب أخذ الأمر شكل فنّ الكاريكاتير الساخر، ثم برامج «الشو» السياسي الهجائي الضاحك، ومن أشهرها في العقود الماضية برامج «ليترمان» وغيره.

شهوة التعليق وسلطة «الإفّيه» جارفة تقود صاحبها وتتحكّم بلسانه، غير أن العاقل هو من يملك نفسه، ويمسك زمام لسانه، فهو السيّد على نفسه وليس شهوة التعليق والخضوع لإغراء اللقطة وبريق النكتة، والتشهّي بإعجاب الحضور وانكسار الخصم.

فحاذروا: رُبّ كلمة قالت لصاحبها... دعني!