شوقي الريّس
صحافي وكاتب لبناني في صحيفة «الشرق الأوسط». عمل مراسلاً دولياً في أوروبا وأميركا اللاتينية لعدد من أبرز الصحف والمجلات العربية، بينها «المجلة» و«الحياة» و«النهار» و«المستقبل». يكتب أيضاً في صحيفتي El Paísالإسبانية وLa Repubblicaالإيطالية. يحمل إجازة في العلوم السياسية ودكتوراه دولة في العلاقات الدولية من جامعة مدريد، وعمل مترجماً شخصياً للعاهل الإسباني الملك خوان كارلوس الأول على مدى 16 عاماً. كما يدرّس مادة المنظمات الدولية في جامعة بيروت اليسوعية، وجامعة مدريد المستقلة، وجامعة جنيف.
TT

«ياسوكوني»... عندما تكتب اليابان تاريخ حروبها الدموية

استمع إلى المقالة

من بين عشرات آلاف المعابد المنتشرة في أرجاء اليابان، يحتل معبد «ياسوكوني» الشنتوي الذي يقع على مقربة من القصر الإمبراطوري في طوكيو، مرتبة خاصة لدى اليابانيين الذين يتهافتون بأعداد غفيرة على زيارة المتحف الحربي الذي يضمّه، ويروي من وجهة نظر يابانية منحازة، تاريخ الحروب التي خاضتها بلاد الشمس الطالعة حتى انكسارها الرهيب في الحرب العالمية الثانية.

زيارة هذا المتحف، الذي أقيم تكريماً لأرواح الملايين الذين قضوا في الحروب اليابانية، تكتسي أهمية خاصة في مثل هذه الأيام التي تتذكر فيها اليابان هزيمتها، وبعد أن أضيفت في عام 1978 أسماء أربعة عشر ضابطاً كانت محكمة الشرق الأقصى الحربية أدانتهم بجرم «التخطيط والإعداد والتحريض على حروب عدوانية وشنّها»، مما دفع الدول المجاورة إلى الاحتجاج، لما تمثله هذه الخطوة من تمجيد للاستعمار العسكري الياباني الذي عانت منه هذه الدول إبَّان النصف الثاني من القرن الماضي. وبعد أن درجت القيادة السياسية اليابانية على الاحتفال بهذه المناسبة في مثل هذه الأيام، صار هذا الشهر من كل عام يشهد تراشقاً بالتصريحات بين طوكيو وجيرانها، خصوصاً بعد أن عادت رياح التسلّح تهبّ على المنطقة.

لكنها زيارة ضرورية لسبر أغوار الذهنية السائدة اليوم في هذه القوة التكنولوجية العظمى التي تعيد كتابة تاريخها وعادت تتسلح على وقع استرجاع المشاعر القومية التي كانت وقود طموحات توسعية دفعتها إلى شن ثماني حروب إقليمية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن الماضي.

المتحف، بما فيه من مجسّمات حربية وسرديّات حول المعارك التي خاضها الجيش الإمبراطوري، كناية عن أنشودة حنين إلى المآثر العسكرية التي بسطت هيمنة اليابان على محيطها الإقليمي طيلة عقود، وما زالت إلى اليوم عقدة تعكّر علاقات طوكيو مع محيطها. من النصب الضخم لمؤسس الجيش الياباني الحديث ماسوجيرو أومورا، إلى رمز أقدم عائلة مالكة في العالم يزيد ارتفاعه على 20 متراً، وشعارات تنوّه ببطولات مليونين ونصف المليون من «الجنود الذين ضحوا بأرواحهم المقدسة من أجل الأمة العظيمة». وأمام بوابة المتحف الخلفية يرتفع تمثال ضخم لحصان تخليداً لذكرى مليون من الخيول التي قضت في الحروب اليابانية.

ولعلّ العبرة الأساس، أو الرسالة الأهم من هذا المتحف، هي الخريطة التي تزيّن قاعته الرئيسية تحت عنوان «القوى الغربية تجتاح آسيا»، وعليها الراية الإسبانية فوق الفلبين، والبريطانية فوق الهند وماليزيا وبرمانيا، والهولندية فوق إندونيسيا، وتحتها السرديّة التي تشدد على أن السياسة التوسعية اليابانية في المنطقة لم تكن سوى حروب دفاعية أو تحريرية.