حصل الذي لم يندهش منه كل عارفٍ بعمق ارتباط الجماعة الحوثية بالمركز الإيراني، وأنه هناك - وهناك فقط - تأتي إشارات التوجيه والاتجاهات لصاحب صعدة، وحاشيته، مهما عقد من اتفاقيات «عابرة» مع الحكومة اليمنية الشرعية، أو مع السعودية، أو مع «التحالف»، أو مع الأمم المتحدة... كل هذا بالنسبة إلى الحوثي تصرفات هامشية لا تمسُّ المتن الإيراني.
من أجل ذلك كان هجوم الحوثي على المِلاحة البحرية بباب المندب والبحر الأحمر عملية وقت وانتظار فقط، وقد انتهى الانتظار، وبدأ المخلب الحوثي يتحرّك بعدما «رغب» الإيراني في ذلك، بل إن مُحلّلي النظام الإيراني يتفاخرون بدهائهم في الهجوم على السعودية، التي يدّعون علَناً أنهم في سلامٍ معها، ويتفاخرون بأنهم لا تلحقهم عواقب في هذا الهجوم؛ فهي مشكلة خاصّة بين الحوثي والسعودية... قالوها بكل صفاقة في بعض برامجهم، وقد بثّت قناة «الحدَث» هذا التسجيل.
لماذا الهجوم على باب المندب، بعد الهجوم على مضيق هرمز، يعني حتمية المواجهة والمناجزة؟! لكن دعونا قبل ذلك نتفرّس شيئاً من ملامح الباب.
بابُ المَنْدب هو الاسم الذي كان الناس يسمّونه به، وهو كذلك بالصيغة الإنجليزية، ويضيفون له اسماً أو وصفاً آخر وهو «Gate of Grief»؛ بوابة الأحزان!
أمّا الاسم الأشهر عربياً وإنجليزياً فقد شُرح بأكثر من شرحٍ، مثل القول إنّه سُمّي بذلك لكثرة ما يُسفح من دموع الأمهات والزوجات والبنات والأخوات على رجالهن العابرين هذا المضيق البحري الشرس؛ فقد التهمت مياه البحر أو ضباب النسيان والغياب كثرة كاثرة من هؤلاء الرجال.
وقيل بل السببُ كثرة النَّدْب، وهو العويل والبكاء، بسبب قديمٍ موغل في قِدمه، حين انبثق هذا الماء، مثل الدموع، بعد انفصال برّ أفريقيا عن برّ آسيا في الزمن السحيق، قبل أن يولد الإنسانُ أصلاً، فكيف بكى المفقود المعدوم على شيءٍ لم يَرهُ؟!
برزت أهميته بوضوح مع افتتاح قناة السويس عام 1869، ليشكّل إحدى الحلقات المهمة للطريق البحري الأقصر، وتمر به معظم أنشطة التبادل التجاري بين آسيا وأوروبا، ونحو 10 في المائة من حركة الملاحة العالمية. فهل يتخيّل صاحب صعدة، وضباط «الحرس الثوري» الذين يحرّكونه، أن العالم، والسعودية وأميركا في المُقدّمة منه، سيقرّون لهم بغلق الباب؟!
بابُ المنْدب كان من الممكن أن يكون بوابة الفرح، وليس الحزن، لأهل اليمن ولكل الدول القريبة منه، عبر اغتنام هذه الهدية الربّانية الجغرافية، بالانخراط في التجارة والتنمية العالمية، لكنه صار في بعض فصول التاريخ بوابة الأحزان حقّاً لليمن.
طاقة المكان وسحره وسرّه، وربما لعنته أو نقمته، لامسها صوت اليمن الكبير، الشاعر عبد الله البردوني حين قال:
سنعاني ليس لذنبٍ سوى أن/ بيتنا ركنهُ بباب المنادب
لعنةٌ من هـنالك تـؤذي/ أهلـنا وصحبنـا والأقــارب!
