إسبانيا هي البلد الذي اختارني وأهداني قصعة جميلة من الحياة، فصارت موطني الثاني إلى جانب مهبّ أنفاسي لبنان، قبل أن يخطفني بهاء إيطاليا وتراثها الفني اللامحدود. لذلك أسمح لنفسي بهذه الخواطر في الفوز الذي انتشت به إسبانيا، وما زالت، عندما رفع منتخبها كأس بطولة العالم لكرة القدم الأحد الماضي، وعمّت البهجة جهات الدنيا الأربع لهذا النصر الذي حمل أكثر من مدلول.
ما فازت به إسبانيا يتجاوز لقب بطولة رياضية عالمية يحلم بها الملايين. فازت فكرة إسبانيا التي نحب. تلك التي طلع شباب فريقها الجميل من أحيائها الشعبية حيث تتمازج المشارب واللكنات وألوان البشرة المختلفة، وتتقاطع الأحلام بغدٍ أفضل، من غير أن يسألك أحد عن مسقط رأسك أو معتقدك الديني. فاز الفريق الذي تدرّب على الاحترام، والتواضع، والتضامن، والتضحية، وتعلّم أن صيغة الجمع أهمّ من صيغة المفرد، وأنه لا يحتاج إلى رفع الصوت لفرض الاحترام.
لم يرفع الفريق الإسباني فحسب كأس البطولة العالمية، بل رفع معها صورة البلد الذي فتح أبوابه للغرباء الساعين إلى حياة كريمة، لأنه يؤمن بأن الاختلاف ليس تهديداً، بل هو منبت قوة ومِنعة، وهو الشرط الأساس للحرية الحقيقية.
لم يهزّ النجم لامين يمال شباك المرمى الأرجنتيني، لكنه هزَّ ضمائرنا بتواضعه وحرصه على تذويب مواهبه وبراعته في فكرة المجموعة، لأن الأفضل هو الذي يجب أن يكون في خدمة الآخرين وليس العكس كما هو الحال في معظم المنتخبات الأخرى. وإنني على يقين أن يوماً سوف يأتي، نعيد فيه قراءة هذا اليافع الذي عبر به والداه بؤس الصحارى ومشقّة البحار، وعندما تغلّب على الحياة بعد فاصل من الألم وابتسمت له الدنيا، لم تنتقص الشهرة ذرة من دماثته ونبل مشاعره، وظلّ وفيّاً لطينته.
وعندما كان الملعب يضجّ بالصخب والصراخ والعراك بعد أن وضعت المباراة أوزارها، انتحى لامين زاوية على العشب الأخضر، فسجد بهدوء وصلَّى بخفر ومن غير استعراض، ثم توجَّه نحو ميسي، ملهمه ومثله الأعلى، يعانقه ويواسيه. وفي تلك اللحظة ظهر شقيقه الأصغر مهرولاً إليه، فضمّه بقوة كما يفعل البسطاء والأوفياء، ثم رفعه وأمطره بالقبل. تلك كانت الصورة الأجمل التي اختزلت روح هذا الفريق الذي أسعد بفوزه هواة الرياضة من كل حدب وصوب، وخرج زهاء مليوني شخص من سكان مدريد للاحتفاء به، من غير أن يحرقوا السيارات وينهبوا المحلات التجارية، وبعد أن كان العاهل الإسباني قد استقبله في القصر الملكي تاركاً لنا صورة انحناءته الأبوية معانقاً بحنان لامين المتكئ على صدره مثل الابن البار.
