ما لم تحصل عليه الحكومات الإسبانية بالقوة منذ عام 1713؛ تاريخ التوقيع على «معاهدة أوترخت» مع بريطانيا حول جبل طارق، التي بموجبها تنازلت إسبانيا مكرهة لبريطانيا عن تلك الصخرة المتحكمة في مدخل البحر المتوسط الغربي، نجحت الدبلوماسية في تحقيقه بعد أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة من التفاوض الشاق.
التوقيع يوم الثلاثاء الماضي 14 يوليو (تموز) 2026 على معاهدة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، بمشاركة إسبانيا وحكومة جبل طارق، جعل غير الممكن وغير المقبول لسكان المحمية طيلة أكثر من 300 عام ممكناً ومقبولاً في آن. المفارقة أن هذه المفاوضات، التي بدأت فعلياً عقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2020، استغرقت وقتاً أطول من اتفاقية الانسحاب البريطاني ذاتها ومن اتفاقية التجارة والتعاون التي تلتها.
الاتفاق الأساسي أُعلن للمرة الأولى في يونيو (حزيران) 2025، ثم أُنجز نصه الكامل في ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، ونُشر رسمياً في فبراير (شباط) 2026، قبل أن يُوقَّع نهائياً وتُزال بموجبه الحواجز الحدودية فعلياً هذا الأسبوع. الاتفاقية أتاحت للمرّة الأولى لقوات شرطة إسبانية الدخول إلى محمية جبل طارق البريطانية، وعلى وجه الدقة إلى ميناءيها الجوي والبحري فقط، للإشراف على إجراءات دخول وخروج مواطني الدول التسع والعشرين الموقعة على اتفاقية «شينغن» من وإلى المحمية.
الاتفاقية شملت كذلك فتح الحدود البرّية بين مدريد وجبل طارق، والسماح للمواطنين من الجهتين بالدخول والخروج من دون الحاجة للاصطفاف في طوابير بالساعات للحصول على موافقة أمنية. السياج والبوابات الفاصلة بين النقطتين الحدوديتين أُزيلت فعلياً بعد اتفاق الدولتين.
صدق من وصف الدبلوماسية بأنها فنُّ الممكن. بفضلها دخلت العلاقة بين بريطانيا وإسبانيا مرحلة جديدة. وبموجب الاتفاق حافظت بريطانيا على تبعية المحمية، وقبلت في الوقت ذاته خضوعها للقوانين واللوائح التي تنظم العمل باتفاقية «شينغن».
هل يعني هذا أن إسبانيا تنازلت عن مطالبها بالسيادة على الصخرة؟ الإجابة بالنفي. بل إن الاتفاقية نفسها تضمّنت نصاً صريحاً يقضي بأنها «لا تخلّ» بموقف أي من الطرفين من مسألة السيادة، ولن تُشكّل أساساً لأي مطالبات مستقبلية بشأنها. فالمطالب الإسبانية بالسيادة على المحمية عليها الانتظار، والمهم الآن التأكيد على أولويات الحياة لسكان جبل طارق من دون تعقيدات الأمن، والحرص على الاستمرار في مرحلة بناء الثقة بين الطرفين، والعمل على توسيع الثغرة التي فُتحت مؤخراً في جدار صلد بعد سنوات من التفاوض. قد يرى البعض أن فترة التفاوض المذكورة كانت شاقة وطويلة، وهو قول لا يخلو من صحة، لكنها تظل أفضل وأجدى من معمعة إشعال نيران حرب ولو لمدة يوم واحد. وما يحدث في خليج هرمز هذه الأيام، وإن اختلف سياقه جذرياً عن نزاع جبل طارق، يبقى تذكيراً بتكلفة الخيارات غير الدبلوماسية.
مشكلة المحمية البريطانية بدأت بعد «بريكست». ورغم أن نسبة المؤيدين للبقاء في الاتحاد فيها بلغت 96 في المائة في استفتاء 2016، فإن خروج بريطانيا من الاتحاد استتبع خروجها. غير أن موقعها الجغرافي الملاصق لإسبانيا ووضعها السياسي المميز كمحمية بريطانية أحدثا صعوبة في تطبيق اتفاقية الخروج، بخاصة فيما يتعلق بحرية التنقل، ذلك أن المحمية تعتمد اعتماداً كبيراً على العمالة الإسبانية؛ إذ يدخل نحو 15500 عامل إسباني إلى المحمية يومياً للعمل، يشكّلون نحو نصف القوى العاملة فيها، ثم يعودون إلى بيوتهم داخل الأراضي الإسبانية.
الديكتاتور الإسباني فرانكو أغلق الحدود بالكامل عام 1969 بين المحمية وبلاده لمدة ثلاثة عشر عاماً، احتجاجاً على تمسك سكان جبل طارق ببقائهم تحت الحكم البريطاني، ولم تُفتح الحدود بشكل كامل مجدداً إلا عام 1985، عشية انضمام إسبانيا إلى الجماعة الاقتصادية الأوروبية. هذا التاريخ من الإغلاق والتشديد المتكرر، كلما توترت العلاقات حول قضية السيادة، يوضح حجم التحوّل الذي يمثله الاتفاق الحالي.
بعد «بريكست»، أصبح عبور العمال يومياً من دون رقابة أمراً غير ممكن قانونياً، فاضطرت الحكومة المحلية في المحمية وإسبانيا إلى وضع حواجز أمنية على الحدود، وأصبح على العمال الإسبان وسكان المحمية الاصطفاف في طوابير يومية طويلة للحصول على أذونات الدخول الرسمية في الجهتين الحدوديتين. الاتفاقية الموقعة هذا الأسبوع ألغت هذا الحاجز الأمني، وأطلقت حرية الحركة والتنقل. الإجراءات الأمنية، منذ الآن وصاعداً، تتركز في الميناءين البحري والجوي لضبط واستيفاء إجراءات الدخول للمحمية والخروج منها لمواطني المحمية والدول الموقعة على اتفاقية «شينغن».
ولأنه لا توجد حجامة من دون دم، فإن المحمية ستدفع ثمن الاتفاق الموقع من حساب امتيازاتها السابقة؛ أي أنها، وفق نصوصه وبنوده، ستغيّر بعضاً من نظامها الضريبي ليتسق مع نظيره في دول الاتحاد الأوروبي، وتخضع بضائعها وسلعها الغذائية للمعايير ذاتها المعمول بها في الاتحاد. هناك أيضاً إمكانية حدوث أضرار جانبية، ممثلة في استغلال عصابات تهريب المخدرات الإسبانية فتحَ الحدود لتوسيع نشاطها، آخذين في الاعتبار المستوى المعيشي المرتفع للسكان مقارنة بنظرائهم الإسبان.
