محمد الرميحي
أستاذ الاجتماع السياسي في جامعة الكويت. مؤلف عدد من الكتب حول مجتمعات الخليج والثقافة العربية. رئيس تحرير مجلة «العربي» سابقاً، ومستشار كتب «سلسلة عالم المعرفة». شغل منصب الأمين العام لـ«المجلس الوطني للثقافة» في الكويت، وعضو عدد من اللجان الاستشارية في دولة الكويت. مساهم بنشر مقالات ودراسات في عدد من الصحف والمجلات المختصة والمحكمة.
TT

الخليج... زمن الاعتماد على الذات

استمع إلى المقالة

يُعد عبد الرحمن الراشد من الكتّاب الذين يتناولون الشأن الخليجي بعقل ورؤية متوازنة. والكتابة في هذا المجال تختلف عن غيرها؛ لأن العلاقات بين دول الخليج لا تُدار بالشعارات، بل بحسابات دقيقة تمزج السياسة بروابط التاريخ والجغرافيا والمصير، ومن يشذ عن ذلك يسبب امتعاضاً بين عدد كبير من المواطنين. ولهذا فإن كثيراً من القضايا الحساسة يُفضَّل بحثها خلف الأبواب المغلقة. لكن المرحلة الراهنة تفرض قدراً أكبر من النقاش العلني المسؤول لرسم الخطوط العريضة للمستقبل.

لهذا يستحق مقال الراشد، الذي نُشر في هذا المكان في الثاني من هذا الشهر بعنوان «الحاجة إلى ترميم الجبهة الداخلية الخليجية»، أن يُناقش، ويعلَّق عليه، لتوسيع زاوية الرؤية، حتى لا يكون مجرد «طلقة في البرية». فمن المظاهر الحضارية في المجتمعات الفكرية أن يتحاور الكتّاب حول الأفكار، لا حول الأشخاص، وأن يبني كل كاتب على ما يطرحه الآخر. لا يزال هذا التقليد محدوداً في الخليج، بسبب التراث الثقافي، على الرغم من الحاجة الملحّة إلى تراكم فكري يساعد صانع القرار من جهة، والرأي العام من جهة أخرى، على فهم التحولات الكبرى التي تجري حولنا، والتصورات التي يسعى إليها المواطن الخليجي لاتقاء المخاطر.

الخليج اليوم ليس خليج الستينيات حين كانت بريطانيا تمسك بمفاتيح الأمن، ولا خليج التسعينيات الذي استند إلى المظلة الأميركية حتى زمن تحرير الكويت من الاحتلال. كما أنه لم يعد مجتمعاً يعيش على اللؤلؤ وصيد الأسماك بعيداً عن صخب العالم وأزماته. إنه اليوم مركز للطاقة والمال والاستثمار والخدمات اللوجستية، وتعبر مياهه نسبة مؤثرة من تجارة العالم، ويملك أرقى مؤسسات الإعلام، وأجيالاً من المتعلمين... ولذلك أصبح جزءاً من الحسابات الدولية والإقليمية في آن واحد.

هذه المكانة جعلت الخليج هدفاً لمشروعات نفوذ متنافسة، وأهمها ولا أقول أوحدها، شهية السيطرة الإيرانية؛ فهي لا تنظر إلى الخليج باعتباره جاراً فقط، بل بوصفه «الغنيمة المحتملة»، والمجال الذي يمنحها ثقلاً سياسياً واقتصادياً. لذلك بقي مضيق هرمز، والوكلاء، والضغط غير المباشر... أدوات حاضرة ومعادة في مخططاتها تجاه الخليج، حتى عندما يتغير الأشخاص، أو تدخل في مفاوضات مع القوى الكبرى، مما يعيد إلينا الفكرة القديمة أنها «شرطي الخليج». وفي الوقت نفسه، تتغير السياسة الأميركية. فالولايات المتحدة لا تنسحب من المنطقة كلياً، لكنها لم تعد راغبة في تحمل الأعباء نفسها، كما تقول وثائقها المنشورة، التي تحمَّلتها خلال العقود الماضية. وهذا لا يعني نهاية التحالف، بل يعني أن الحليف ينتظر من شركائه قدرة أكبر على حماية مصالحهم، والمشاركة الجماعية في تحمل المسؤولية.

من هنا يصبح الاعتماد على الذات، الذي ينادي به الراشد، والذي يمثل في الغالب رأياً وازناً لنخب الخليج الواعية، ضرورة استراتيجية، لا شعاراً سياسياً. والمقصود بذلك ليس الاستغناء عن التحالفات، وإنما بناء قوة خليجية تجعل تلك التحالفات أكثر توازناً وتأثيراً. فالعلاقات الدولية تحكمها المصالح، والمصالح تحترم الطرف القادر أكثر من الطرف المعتمد كلياً على غيره.

ويمتلك الخليج مقومات حقيقية لتحقيق ذلك: اقتصاداً كبيراً، واستقراراً مؤسسياً، وخبرة متراكمة، وشبكة علاقات واسعة، ومجلس تعاون أثبت أنه من أنجح مؤسسات العمل العربي المشترك... غير أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التنسيق إلى التكامل في الدفاع، والأمن السيبراني، والصناعات العسكرية، وأمن الممرات البحرية، والبحث العلمي، وتبادل المعلومات... كما أن مفهوم «الأمن» لم يعد عسكرياً فقط، بل أصبح يشمل التكنولوجيا، والأمن الغذائي، والطاقة، وكفاءة التعليم، والقدرة على إنتاج المعرفة، والتنسيق الأوثق في السياسة الخارجية ذات التأثير المشترك على المجموعة. والدول التي تستثمر في الإنسان وفي مؤسساتها هي الأكثر قدرة على الصمود أمام التحولات الدولية الكبرى كما نمر بها اليوم.

لقد أثبتت الأزمات المتعددة أن الاختلافات الخليجية تتراجع كلما ارتفع مستوى التهديد الخارجي. وربما يكون من الأفضل تحويل هذا الإدراك إلى سياسة مؤسسية دائمة، لا إلى استجابة مؤقتة للأزمات؛ فالعمل الجماعي أقل تكلفة من إدارة المخاطر بصورة منفردة. ولعل أكثر ما يلاحظ في القلق من التنسيق بين دول الخليج هو ردة فعل النظام الإيراني. عندما أوفد مجلس التعاون أحد وزراء الخارجية للحديث بلسان واحد بين إيران ودول الخليج، وكان ذلك في عام 2017، رفض الطرف الإيراني الحديث باسم المجموع، وفضَّل التعامل الأحادي، وهو أمر تكرر في مناسبات عدة. لذلك فإن الراشد يقول، وهو محق: «نحن أمام تحديات أعظم من كل ما مر بنا من قبل»، وإن «التهديدات الإيرانية لن تنتهي بنهاية الحرب»، وينتهي بالقول: «لن توجد وسيلة لإرغام طهران بالوفاء بتعهداتها إلا بالقوة».

لقد وضع الراشد النقاط على الحروف. لذلك عندما وضعت المقالة المهمة على صفحتي في «إكس»، قلت إنها مقالة واجبة القراءة، وما زلت أعتقد أنها رسمت معالم المخاطر التي نواجهها. بقي أن يكون هذا الملف محلاً للنقاش بين المهتمين، لعل مجموع الآراء ينتج فعلاً عملياً على الأرض.

آخر الكلام: الفرصة تاريخية لدول الخليج للانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.