وَبَيْتُ القََصِِيدِ مِنَ قَصِيدَةِ رِثاَءٍ رَائِعَة، قَالَهَا، الحُسَيْنُ بنُ مُطَيرٍ الأَسَدِيّ، يَرثِي بِهَا مَعْنَ بنَ زَائِدَةَ، الّذِي كَانَ أَمِيرًا فِي اليَمَن، قَدِمَ عَلَيْهِ الشَّاعِرُ فأَكرَمَهُ، ثُمَّ رَثَاهُ بَعْدَ مَوْتِهِ. يَقُولُ الحُسَيْنُ بنُ مطير، عَنْ مَعْنٍ:
فَتَى عِيشَ فِي مَعْرُوْفِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ
كَمَا كَانَ بَعْدَ السَّيلِ مَجْرَاهُ مَرْتَعَا
يُرِيدُ أَنَّ عَطَاءَهُ كَانَ جزلًا وافرًا وسابغًا فاضلًا، فَلَّمَا مَاتَ بَقِيَ فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنْهُ مَا عَاشُوا بِهِ، ويُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَوصَى للنَّاسِ بِالمَالِ، وشَبَّهَ عَيشَهُم فِي مَعْرُوفِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، بِمَجْرَى السَّيْلِ بَعْدَ تَوَقُّفِهِ، حَيْثُ يُصْبِحُ مَكَانُ السَّيْلِ مَرْعى خصبًا أخضرًا.
فِي «الجامعُ الكبيرُ في صناعةِ المنظوم من الكلام والمنثور»، قَالَ ضِيَاءُ الدّينِ بنُ الأَثِير، فِي تَشْبِيهِ المُرَكَّبِ بِالمُرَكَّب:
«وأعجبُ ما سَمِعتُ فِي هَذَا البَابِ، قَوْلُ الحُسَينِ بنِ مُطَيْرِ الأَسَدِيّ، يَرْثِي مَعْنَ بنَ زَائِدَةَ: فَذَكَرَ البَيْتَ ثُمَّ قَالَ: فَاعْرِفْ ذَلِكَ وَقِسْ عَلَيهِ».
وَقَالَ الآمِدِيُّ، فِي «الموازنةُ بين شعرِ أبي تمام والبحتري»:
«ومِمَّا لَا يَفِي بِحُسْنِهِ وَحَلَاوَتِهِ وَصِحَّتِهِ شَيءٌ، قَولُ حُسَين بنِ مُطَيرٍ فِي مَعنِ: وَذَكَرَ البَيْت».
وَقَالَ أبُو القَاسِمِ الفَارِسِيّ، فِي (شَرحُ حَمَاسَةِ أبي تمَّام):
فَتًى عِيشَ فِي مَعْرُوفِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ
كّمَا كَانَ بَعْدَ السَّيْلِ مَجْرَاهُ مَرْتَعَا
مرتعًا: أي موضعًا للرتوع، ويروي «ممرعًا» أي مخضبًا.
المَعْنَى: يَصِِفُ كَثْرَةَ مَعْرُوفِهِ، وَيَقُولُ: عَاشَ النَّاسُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَخْتَلَّ أَمْرُهُمْ، لِأَنَّ عَطَاءَهُ كَانَ جَزْلًا، فَكَفَاهُم الحَاجَة، فِي حَيَاتِِهِِ، وبَعدَ وَفَاتِهِ، وَشَبَّهَ ذلك بالسَّيلِ، يَكُونُ مَرْتَعًا بَعْدَ انْقِطَاعِه، وَهُو مِنْ أَحْسَنِ التَّشْبِيه.
وقال النويري في «نهاية الأرب»:
وَمِنَ أحْسَنِ الرّثَاءِ قَولُ حُسَين بنِ مُطَير الأَسَديّ، ثُمَّ سَاقَ أَبْيَاتَهُ، وَفِيهَا بَيْتُ القَصِيد.
وَقَالَ أبُو هِلالٍ العَسْكَرِي، فِي «دِيوانُ المَعَاني»:
أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي بَقَايَا آثَارِ المَيّتِ، قَوْلُ الحُسَيْن بنِ مُطَيْر: وَسَاقَ بَيْتَ القَصِيد.
***
وَالحُسَينُ بنُ مُطَيرٍ بنِ مكملٍ الأسَدِيّ (ت169 هـ = 785 م):
شاعِرٌ فحلٌ متميزٌ، مِنْ مُخَضْرَمِي الدَّوْلَتَينِ الأُمَوِيَّةِ وَالعَبَّاسِيَّة. لَهُ مَدَائِحُ فِي رِجَالِهِمَا. وَكَانَ زِيُّهُ وَكَلَامُهُ كَزِيِّ أَهْلِ البَادِيَةِ وَكَلَامِهِمْ. وَفَدَ عَلَى مَعْنٍ بنِ زَائِدَةَ لَمَّا وَلِيَ اليَمَنَ، فَمَدَحَهُ.
وَمِنْ جَمِيلِ أَبْيَاتِ الحُسَيْنِ، قَوْلُهُ يَنْصَحُ المَرْءَ أَنْ يُكرِمَ نَفْسَهُ:
فَنَفْسَكَ أَكْرِمْ فِي أُمُوْرٍ كَثِيْرَةٍ
فَمَا لَكَ نَفْسٌ بَعْدَهَا تَسْتَعِيْرُهَا
***
مَعْنُ بنُ زَائِدَةَ الشَّيبَانِيُّ (ت151 هـ = 768م): أَمِيرُ الْعَرَبِ أَبُو الْوَلِيدِ الشَّيْبَانِيُّ. أَحَدُ أَبْطَالِ الْإِسْلَامِ، وَعَيْنُ الْأَجْوَادِ.
كَانَ مِنْ أُمَرَاءِ مُتَوَلِّي الْعِرَاقَيْنِ يَزِيدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ، فَلَمَّا تَمَلَّكَ آلُ الْعَبَّاسِ، اخْتَفَى مَعْنٌ مُدَّةً، وَالطَّلَبُ عَلَيْهِ حَثِيثٌ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ خُرُوجِ الرِّيوَنْدِيَّةِ وَالْخُرَاسَانِيَّةِ عَلَى الْمَنْصُورِ، وَحَمِيَ الْقِتَالُ، وَحَارَ الْمَنْصُورُ فِي أَمْرِهِ، ظَهَرَ مَعْنٌ، وَقَاتَلَ الرِّيوَنْدِيَّةَ فَكَانَ النَّصْرُ عَلَى يَدِهِ، وَهُوَ مُقَنَّعٌ فِي الْحَدِيدِ،
فَقَالَ الْمَنْصُورُ: وَيْحَكَ، مَنْ تَكُونُ؟ فَكَشَفَ لِثَامَهُ، وَقَالَ: أَنَا طِلْبَتُكَ مَعْنٌ. فَسُّرَ بِهِ، وَقَدَّمَهُ وَعَظَّمَهُ، ثُمَّ وَلَّاهُ الْيَمَنَ وَغَيْرَهَا.
دَخَلَ مَعْنٌ عَلَى الْمَنْصُورِ، فَقَالَ: كَبُرَتْ سِنُّكَ يَا مَعْنُ. قَالَ: فِي طَاعَتِكَ. قَالَ: إِنَّكَ لَتَتَجَلَّدُ. قَالَ: لِأَعْدَائِكَ. قَالَ: وَإِنَّ فِيكَ لِبَقِيَّةً. قَالَ: هِيَ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. وَلِمَعْنٍ أَخْبَارٌ فِي السَّخَاءِ، وَفِي الْبَأْسِ وَالشَّجَاعَةِ، وَلَهُ نَظْمٌ جَيِّدٌ. ثُمَّ وَلِيَ سِجِسْتَانَ. وَثَبَتْ عَلَيْهِ خَوَارِجُ وَهُوَ يُحْتَجِمُ، فَقَتَلُوهُ، فَقَتَلَهُمُ ابْنُ أَخِيهِ يَزِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ الْأَمِيرُ فِي سَنَةِ 152، وَقِيلَ: سَنَةَ 158هـ، كَمَا فِي «سير أعلام النبلاء» للذهبي.
