سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

مشوّه الجمال

استمع إلى المقالة

كان الشاعر سعيد عقل يقول إن بابلو بيكاسو ليس رائد الفن السوريالي، بل الرجل الذي شوّه الجمال، خصوصاً جمال المرأة. وتشير لوحاته إلى أنه كان يضمر حقداً شديداً على النساء. وقالت صديقته فرنسواز جيلو في مذكراتها إنه قال ذات يوم إن المرأة أَمةٌ (عبدة)، أو أميرة. وتحاول جیلو تسليط الضوء على الجانب المظلم من حياة أشهر سوريالي في التاريخ. وكان شريكاً عاطفياً متسلطاً، انتحرت اثنتان من حبيباته، وعانت الثالثة من انهيار نفسي آخر من أمراض نفسية أقل حدة.

لكن ربما كان أسوأ ما فعله بالنساء في مرحلته التكعيبية عندما أعاد تجميع أجسادهن في أشكال هندسية ملتوية.

لو كان بيكاسو حياً اليوم، فلا بد من الاعتقاد بأنه كان سيقاطَع منذ زمن. حاول البعض فعل ذلك بعد فوات الأوان في الأحبار في أشكال هندسية ملتوية.

عندما حلت احتفالات الذكرى الخمسين لوفاة بيكاسو كان السؤال المطروح هو ما إذا كانت الانتقادات ستؤدي إلى أي ضرر دائم بسمعته؟ لكن على العكس تماماً، تبنت معظم المؤسسات موقفاً لا أخلاقياً صارخاً، بل وتبنت أيضاً موقفاً مشيداً، حيث رعت الحكومتان الفرنسية والإسبانية لجنة رسمية لدعم الفعاليات في جميع أنحاء العالم تكريماً لبطلهما القومي المشترك.

مع ذلك، كانت هناك دلائل على أن الانتقادات قد تغلغلت إلى أعماق الموضوع. شعر العديد من القيّمين على المعارض والكتاب بضرورة الإشارة، على الأقل، إلى تحيّز بيكاسو الجنسي. مقال متناقض، نشر في «نيويورك تايمز»، بقلم الناقدة الفنية ديبورا سولومون، قسّم إلى قسمين: «أحبه»/ «أكرهه»، مرضياً الجانبين كليهما بالتساوي.

لكن لم تُغير أي من هذه المحاولات -لتحدي عبقرية بيكاسو ومكانته أو حتى إمكانية تغييرها- نظرتنا إلى فنه كفن. ويرجع جزء من السبب في ذلك إلى توجيه اتهامات بالقصور.

مع اقتراب بيكاسو من منتصف العمر، بدأ يظهر إدراكاً بأن سلوكه كان خاطئاً، حتى وإن لم يرغب في التوقف عنه، أو لم يعرف كيف يفعل ذلك. لكنه كان قادراً على تصويره. وكما هو الحال مع أي فنان تقريباً، تتيح رسوماته ومطبوعاته مدخلاً عميقاً فريداً إلى عالمه النفسي. فهي أصغر حجماً، وأكثر اعتيادية من أعماله على القماش –أقل ضخامة، وأقل التزاماً– وغالباً ما تكرس لتجربة الأفكار قبل تجسيدها في لوحات زيتية. تبدو رسوماته ومطبوعاته، المعلقة خلف الزجاج في متحف، كأنها قطع أثرية.