د. عبد المنعم سعيد
عضو مجلس الشيوخ المصري حالياً، ورئيس مجلس إدارة «مؤسسة المصري اليوم» الصحافية في القاهرة، ورئيس اللجنة الاستشارية لـ«المجلس المصري للدراسات الاستراتيجية»، وسابقاً كان رئيساً لمجلس إدارة «مؤسسة الأهرام» الصحافية، و«مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية»، و«المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية»، وعضو مجلس الشورى المصري. كاتب في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ عام 2004، و«الأهرام» و«المصري اليوم»... وعدد من الصحف العربية. أكاديمي في الجامعات والمعاهد المصرية، وزميل زائر في جامعة «برانديز» الأميركية، ومؤلف للعديد من الكتب.
TT

العروبة الكروية!

استمع إلى المقالة

عاش جيلي خلال فترة الشباب مؤمناً بفكرة القومية والوحدة العربية من الخليج إلى المحيط؛ وبالقدر نفسه عاش انكسار كل ذلك؛ سواء بالهزيمة أو بالخيانة أو بالخروج على الفكرة والتمرد عليها. حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 من خيراتها كان الجمع بين السلاح والنفط، والحرب في وجود مصر وسوريا معاً ومعهما تمثيل من دول عربية شتى بقوات وأسلحة. رغم النصر فإن ترجمته إلى استرداد للأراضي المصرية بكاملها والسورية في بعض منها التي أُعيد احتلالها مرة أخرى، جعل من الأفكار السابقة ماضياً وتاريخاً يبكيه بعضنا؛ ويصبّ عليه اللعنات بعضنا الآخر. ولكن كل مرحلة من مراحل الابتعاد أو الاقتراب من الفكرة كانت لها الواقع الذي يدفع في اتجاهها أو تجري فيضانات ساحقة تبتعد عنها. الواقع كان يسير في طريقه الزمني الذي يمنح البناء والهدم، ولكن الظروف كثيراً ما تسمح بأوضاع تقيس مقياس «العروبة» وسط خضمٍّ من الضجيج الشديد الذي يعلو صوته على كتابات التواصل الاجتماعي التي لا تكفّ أبداً عن حكايات الفُرقة والانقسام. لا توجد مثل هذه الحالة في مسابقات كأس العالم لكرة القدم. فقياس نبض ما حدث للعروبة منذ بدأت المباريات التمهيدية حتى وصلت إلى «النهائيات» في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، بدا لافتاً للنظر!

الدول العربية تقع بين قارتي آسيا وأفريقيا، وكلتاهما لها نصيب من المسابقات الدولية ومن بينها، وأهمها، كأس العالم لكرة القدم. الحصاد العام لكل المسابقات التمهيدية أدى إلى وصول 8 فرق عربية إلى كأس العالم في أميركا الشمالية. كان ذلك نصراً عربياً غير مسبوق؛ وبينما كانت 6 فرق قد وصلت إلى مقصدها عبر مسابقات قارتها، كان هناك فريقان قد وصلا من خلال ما قضت به القواعد الرياضية لاختيار من كانوا الأفضل بين الفرق التي خسرت السباق الأول. الحصيلة جعلت صفة «العرب» سارية في المهرجان الكروي العالمي؛ باتت هناك أغانٍ وأهازيج عربية تأتي من المتابعة للمباريات الودية التمهيدية. وعندما جد الجد في المباريات الرسمية تكثفت عملية المتابعة بعد الفريق الوطني لجميع الفرق العربية من المحيط إلى الخليج. الجماهير العربية في أميركا الشمالية تدفقت على المباريات رغم ارتفاع أسعارها لكي تساند العرب الآخرين. وبينما كانت سلطات المسابقة قد منحت كل فريق أغنية خاصة به فإنها سرعان ما ظهرت أغنية خصَّت العرب جميعاً.

على أرض الأوطان العربية كان الشغف واحداً؛ كانت كرة القدم، كما فعلت في كل دولة عربية، تقوم أولاً بنسج الهوية الوطنية في متابعة الفريق الوطني، ولكن ما إن تنفضّ مبارياتها حتى تبحث عمّا جرى للفرق العربية الأخرى. حدث ذلك بينما المنطقة العربية تعيش واحدة من أصعب لحظاتها التاريخية التي يواجه فيها العرب عدواناً إسرائيلياً وإيرانياً، يبدو أنه صراع بين إسرائيل وإيران على الجسد العربي كله ومنطقته ومستقبله. هل كانت الحماسة العربية الكروية جزءاً من دفاع كبير عن العروبة ومكانتها العالمية؛ أم أنها استدعاء لعالم عربي واحد في مجال تتنافس فيه شعوب الأرض من أجل تسجيل أهداف في مرمى التاريخ وما فيه من تقدم؟

ما لا يقل أهمية كان الإعلام العربي في كل دولة عربية مشاركة أو غير مشاركة في مسرح العالم الرياضي الكبير؛ فالعجب كله جاء من الإعلام العربي الذي كان مشغولاً بشدة بما يحدث في الجوار العربي الذي تتطاحن فيه الحرب مع محاولات قوية للبحث عن وقف التصعيد أو التهدئة أو وقف إطلاق النار في هدنة تطول إلى 60 يوماً. وسط تلك اللحظات الحرجة كانت المساحة المتاحة لكأس العالم لكرة القدم تكتسب مساحات غير قليلة، وبقدر ما حرص إعلام الدول الثماني المشاركة في ساحة السباق العالمية على حشد المشاعر والهوية الوطنية وراء الفريق الباحث عن الصعود إلى مراكز أعلى في الأدوار الأولية، فإنه وأياً كانت النتائج الأولى فإنها كانت تتحول إلى متابعة الفرق العربية الأخرى التي احتشدت لها الكاميرات والجماهير. انتصرت قنوات وصحف الدول العربية على الشبكات الشريرة للتواصل الاجتماعي التي كانت تستخدم منصاتها لكي توقع بين العرب ومَن ناصر ومَن تخاذل في ساحات تتزاحم فيها الهتافات والبحث عن انتصارات تخلَّد في ساحات العالم.

في الساحة المصرية، وليسمح لي القارئ الكريم، حظيت مصر بكثير من هذه المشاعر للعروبة الكروية عندما بدأ الفريق المصري يعبر بحالات خاصة من الانتصارات. لم يخلُ إعلام عربي من الفرح الذي ألمَّ بالشعب المصري في مسابقة شارك فيها منذ 1934، لكنه لم يحظَ بانتصار إلا في مسابقة الكرة العالمية في شمال أميركا. نشكر جميع الإخوة العرب، متمنّين للفرق العربية كل نجاح؛ وأن يكون في كرة القدم، كما في السياسة، فريق واحد في يوم مجيد واحد.



عاجل المغرب يتأهل برفقة البرازيل لدور 32 في كأس العالم بفوز مثير على هايتي