عبد الرحمن شلقم
وزير خارجية ليبيا ومندوب السابق لدى الأمم المتحدة الأسبق، وهو حصل على ليسانس الصحافة عام 1973 من جامعة القاهرة،وشغل منصب رئيس تحرير صحيفة «الفجر الجديد»، ورئيس تحرير صحيفتَي «الأسبوع السياسي» و«الأسبوع الثقافي». كان أمين الإعلام وأمين الشؤون الخارجية في «مؤتمر الشعب العام». وسفير سابق لليبيا لدى إيطاليا. رئيس «الشركة الليبية - الإيطالية». مدير «الأكاديمية الليبية» في روما.
TT

نفحات من جبران خليل جبران

استمع إلى المقالة

شخصٌ عبَر الزمان وتنقّل بين فجاجِ المكان. وُلد في لبنانَ عام 1883 وهاجرَ إلى الولايات المتحدة، وعاش في مدينة نيويورك التي تُوفي بها عام 1931. كان من أبرز أدباء المهجر الذين نبغوا في أميركا. جبران خليل جبران، كانَ شاعراً وموسيقياً ورساماً وكاتباً ومفكراً، وساهم في المناشط الإصلاحية في بلاد الشام، وأسس الحلقات الذهبية الإنسانية والأدبية، وعمل في لجنة إغاثة السوريين ولجنة تحرير سوريا وجبل لبنان. وانضمَّ إلى الرابطة القلمية في أميركا. رغم سنوات حياته القصيرة، أعطى بدون حدود في كل مضمار اقتحمه. تعلق مبكراً باللغة العربية وآدابها، وعاش مع إبداعات أبي العلاء المعري وأبي نواس والمتنبي، وغيرهم من شعراء العصر العباسي، وكذلك مع كبار الأدباء الغربيين. جدد في اللغة العربية ونحت من الكلمات صوراً تنطق بحمولات تفيض شفافيةً عطريةً جذابة. خاطب الإنسانَ ككائن مقدس، وسأل نفسَه مبكراً: ماذا سأقدم للناس، كي أنقلهم إلى رحاب النور؟ عشق الجمال وأبدع التراكيب التي تسري إلى قلب الإنسان وعقله، من دون أن ينزاح إلى عبارات الوعظ والتعليم. رفرفَ على منعرجات الطبيعة برفقة البشر، وأحاسيسهم ونزواتهم وهيامهم المفتوح على الوجود. كان يرى الأرواح في كل شيء، في الأرض والماء والرياح والشجر. جبران يبدع في أقواله وحروفه وحتى في صمته ووقوفه وحركته. قالَ لكم لغتكم ولي لغتي، لكم عقيدتكم ولي عقيدتي، لكم لبنانكم ولي لبناني ولكم أفكاركم ولي أفكاري. أراد أن يقول لي كياني وكوني وزماني، التي كتبتها بحروف من نتح عقلي، وبلغة غربلتُها بأذن أذني وعين عيني وروح روحي، ومما حفظته الذاكرة من إبداع الكبار. كان يرى أن المحبة هي الباب الرحب للولوج إلى دنيا الإنسان في كل زمان ومكان، وتنقل فيها بين الأديان المختلفة، وحلقات حياة البشر بما فيها من مرتفعات ووهاد، وكان للعرب مساحة واسعة في أفكاره ورؤاه، ولم يغرق في المذاهب والتيارات المتعصبة المنحازة، وطين الماضي بكل ما فيه من مآسٍ وانحطاط وتوحش.

ألَّف جبران خليل جبران كتباً عدة، أبرزها: «النبي، والأجنحة المتكسرة، ودمعة وابتسامة، والأرواح المتمردة، ورمل وزبد، ويسوع ابن الإنسان، والمواكب، والمجنون». كتابه «النبي» تُرجم إلى العشرات من لغات العالم، وكان الأكثر مبيعاً منذ صدوره، وإلى اليوم يقبل القراء عليه، ويقتبس المفكرون والكتاب مما جاء فيه. تدور أحداث كتاب «النبي» حول رجل اسمه «المصطفى» عاش في مدينة تدعى أورفليس، عندما همَّ بالعودة إلى مسقط رأسه، اندفع حوله أهل المدينة، وتسابقوا يسألونه عن أهم قضايا الحياة. الحب والزواج والأبناء والعمل والحرية والخير، والشَّر، والموت، وغيرها. أجابهم المصطفى في خطب وتأملات قصيرة مكثفة، بلغة شعرية مملوءة بصور تسري في وجدان كل من يسمعها أو يقرأها. في إجابته على سؤال لكاهنة طلبت منه أن يحدثهم عن العقل والهوى، أجاب المصطفى وقال: «إنَّ نفوسكم لساحات وغى، حيث تصطرع عقولكم وآراؤكم ضد أهوائكم وشهواتكم، ليته كان لي أن أحمل السلام إلى نفوسكم، علني أستطيع أن أحول النفور والخصام في عناصركم، إلى ألحان منسجمة، ووحدة لا انفصام فيها، ولكن كيف يكون لي ذلك، إلا إذا كنتم أنتم أيضاً مصلحين ما بين ما اختلف من عناصركم، وإلا إذا أحببتم جميع تلك العناصر. إن عقلكم وهواكم هما الدفة والشراع لنفسكم الماخرة عباب اليم، وإذا ما تحطمت الدفة أو تمزق الشراع، فأنتم إذ ذاك مقضي عليكم بأن تتيهوا مع الموج». هذه عينة من نسيج فكر جبران ولغته ومخاطبته للناس كما جاءت في كتابه «النبي»، الذي تأثر جبران خليل جبران فيه بالتراث الديني والحكمة الشرقية، وبلغة مفعمة بنزعة إنسانية عالمية، تتجاوز الحدود الدينية والعرقية، وعمق فلسفي مع بساطة في التعبير، ولغة موسيقية شفافة سلسة. لم يكن كتاب «النبي» مخطوطة فلسفية، بل كان حزمة من التأملات في جوهر الإنسان، وأفعاله وتفاعله مع لجج الحياة بكل ما فيها. لا يزال هذا الكتاب حيّاً تهفو له الملايين تقرأه وتقتبس منه. في هذا الزمن الذي تمطرنا فيه وسائل الإعلام بأخبار الحروب، وتتدافع صور القتلى وزخات الدماء، وجموع المشردين من نازحين ولاجئين تعساء، نستجير بنفحات جبران خليل جبران التي تسمو بالإنسان، وترش عليه عطراً ملائكياً قدسياً. لقد وهبَ هذا الرجل حياته لقدسية الإنسان وحلم السلام وتمكين العقل. في الكثير من إبداعه الأدبي، لجأ جبران إلى القصص القصيرة، التي يتحرَّك فيها الناس وعلى كاهلهم وعثاء الأسئلة والأهداف، ومطرقة الحياة التي لا ترحم المعوزين والضعفاء والمظلومين، ولا تكبح نزق السلطة والقوة والثروة والهوى. لقد أراد أن يصب أفكاره على صفحات حركة الحياة العملية، التي يعيشها الناس بكل ما فيها. صوّرها وصاغها بلغته المزخرفة بموسيقى الروح، وتأمل المعنى المنفتح على آفاق إنسانية رحبة، كأنَّها امتداد الأفق.