د. عبد الله فيصل آل ربح
أكاديمي سعودي, أستاذ مشارك لعلم الاجتماع الديني والنظرية الاجتماعية جراند فالي الأميركية, وزميل أبحاث غير مقيم بمعهد الشرق الأوسط بواشنطن العاصمة. نشر العديد من الأبحاث المحكمة في دوريات رصينة, إضافة لنشره لعدة دراسات في مراكز الفكر بواشنطن. ومن أهم إصداراته كتاب «المملكة العربية السعودية في الصحافة الأنجلو: تغطية المملكة في القرن العشرين»
TT

الرياض وعقلانية القوة

استمع إلى المقالة

في مقالته الأخيرة المنشورة في التاسع من مايو (أيار) الحالي، قدم الأمير تركي الفيصل قراءة وافية حول كيفية نجاح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في إعادة صياغة تموضع المملكة؛ وهي قراءة تفتح الباب واسعاً لتأمل النهج السياسي السعودي في ظل الأزمات الراهنة. ففي خضم المشهد الإقليمي المتوتر، تتجلَّى الحكمة السعودية في تجنب الانجرار إلى أتون الحرب الحالية، ووقف التصعيد استناداً إلى إدراك استراتيجي دقيق بأن الانخراط في مثل هذه الصراعات سيؤدي إلى دوامة حروب لا تنتهي، وبالتالي ستكون المنطقة أسيرة للحروب، وبعيدة على النماء والازدهار.

هذا الموقف السعودي لا ينطلق من فراغ؛ بل يتأسس على عقلانية الدولة التي تتعالى على أصوات المزايدين. ففي أوقات الأزمات، تبرز دائماً ظاهرة العنتريات السياسية التي تنقسم إلى نوعين: الأول يدعو إلى الحرب ويشعل حرائقها من مسافة آمنة بعيداً عن خطوط النار، والثاني عاجز تماماً عن خوض أي مواجهة. ومن المؤسف حقاً والمثير للشفقة السياسية أن نرى من يزايد على المملكة في موقفها السيادي، محاولاً تصدير عجزه البنيوي عبر المطالبة بتورط الكبار واستفزاز مراكز الثقل.

إن قرار عدم الانخراط في المواجهة المسلحة لم يأتِ من موقع ضعف أو تردد؛ بل جاء من موقع القوة المركزية. فهو اختيار سيادي مبني على قراءة لواقع جيوسياسي معقد وحسابات دقيقة للربح والخسارة المرتبطة بالمصالح العليا للبلاد، وليس خياراً مفروضاً من قوى خارجية. بعبارة أخرى، المملكة لم تبتعد عن التصعيد العسكري لأنها غير قادرة على إيقاع الألم بمن يشن عليها العدوان؛ بل لأن بوصلتها الاستراتيجية لا توجهها انفعالات اللحظة، ولا تستدرجها فخاخ الصراعات العبثية.

وقد أثبت التاريخ الحديث، ولا يزال يثبت، مكانة المملكة بوصفها مركز ثقل حقيقياً يقف فوق أطراف النزاع. ففي إسرائيل، يدرك صناع القرار أن تطبيع العلاقات مع الرياض يمثل «الجائزة الكبرى» التي سعوا إليها عبر وسائل عدة، لكنهم حتماً لن يصلوا إليها من خلال سياسات استعراض القوة وإشعال الحروب الإقليمية.

وعلى الضفة الأخرى، تخاطب طهران الرياض اليوم بدبلوماسية تتسم باحترام نوعي لا يمكن لأحد إنكاره، مدركة تماماً أن ما حاولت الوصول إليه عبر أعمالها وتدخلاتها السابقة، لن تتمكن من تحقيقه عبر سلوكياتها وتصرفاتها في هذه الحرب الدائرة.

خلاصة القول؛ إن المملكة العربية السعودية تمثل قوة ذات وزن إقليمي واقعي وهيكلي. هذه القوة الراسخة لا تحتاج إلى مسارح الصراع لاستعراض عضلاتها أو إثبات وجودها، كما أنها ليست في وارد تبديد مواردها لإرضاء المزايدين أو التعويض عن النقص الاستراتيجي للآخرين. إن القيادة السعودية تدير المشهد بعقلانية الدولة التي تضع مصالحها الوطنية فوق كل اعتبار، تاركة لمن يعيشون على هامش التأثير أن يغرقوا في أوهامهم وتنظيراتهم العاجزة.