يعدُّ التقدمُ الإنسانيُّ في مجالَي العلوم التطبيقية والتكنولوجيا اليوم مظهراً مثيراً للدهشة ومفخرةً حقيقية للعقل البشري. ولعلَّ آخرَ هذه الإنجازات قد تجلّى في نجاح مهمة المركبة الفضائية الأميركية «أرتيميس2»، التي استطاعتِ الوصولَ إلى القمر، والدورانَ حول وجهه غير المرئي، والعودةَ بسلام إلى الأرض، فاتحةً بذلك أفقاً جديداً أمام الإنسان في سعيه للوصول إلى كواكب أخرى أبعد وأعظم. هذا التفوق التقني هو ذاته الذي منح البشرية رفاهية غير مسبوقة في شتّى مجالات الحياة، إلا إنّه، وبكل أسف، في الوقت ذاته، يبقى سلاحاً ذا حدّين.
المفارقة العلمية تكمن في قدرة الإنسان على تحوير العلم إلى أداة بناء، أو دمار، أو الاثنين معاً في آن، وفق ما تقتضيه المصلحة. وعلى سبيل المثال، فإنَّ الذرةَ التي تضيء المدن بكهربائها هي ذاتها التي تهدد بنسفِ الحضارة الإنسانية في لمح البصر، وردِّ الإنسان إلى العصر الحجري، والمختبرَ الطبي الذي يسابق الزمن بتجاربه لصناعة الدواء هو نفسه الذي قد يطور الفيروسات الفتاكة. هذا الانقسام الأخلاقي لدى الإنسان وفي إبداعاته التكنولوجية يطول اليوم الذكاءَ الاصطناعي، الذي برز بقوة في السنتين الأخيرتين ممثلاً قفزةً نوعية مدهشة... فهو بقدر ما يسهم إيجاباً في تشخيص الأمراض المستعصية، وتطوير الأدوية بسرعة فائقة، وإيجاد حلول مبتكرة لأزمات المناخ، فإنه يُعدّ سلاحاً فتاكاً آخر يهدد الإنسانية... نُذر كوارثه لاحت وبدأت تفرض حضورها، وبسرعة، في النشاط الاقتصادي. حيث بدأنا نتابع في وسائل الإعلام ما يُنشر من تقارير إخبارية بشأن شركات كبرى عدة بدأت الاستغناء عن أعداد هائلة من العاملين بها لمصلحة الذكاء الاصطناعي الذي أثبت أنه أكفأ وأرخص من البشر وأقل مشكلات.
أما من الناحية العسكرية، وهي الأخطر، فقد تحول الذكاء الاصطناعي في الحرب الأوكرانية - الروسية، وفي الصراعات الإقليمية الأخرى، سلاحاً فتاكاً. لقد تحولت الميادين الحربية خلال السنوات الخمس الأخيرة مختبراتٍ مفتوحةً لتجارب الشركات المصنّعة للمسيّرات الحربية بما يتسق ويتوافق مع تعقيدات مجريات المعارك. استطاعت أوكرانيا؛ بسبب تقدمها في صناعة المسيّرات واستخدامها، تعويضَ العجز في قواتها المقاتلة، وصدَّ القوات الروسية بفاعلية عسكرية ملحوظة. وقرأتُ مؤخراً تقريراً مطولاً منشوراً في صحيفة «ذا نيويورك تايمز» عمّا يحدث في مختبرات المصانع العسكرية من تجارب تتعلق بصناعة مسيّراتٍ ذاتية بالكامل، قادرةٍ على اختيار وتحديد أهدافها وتدميرها من دون أي تدخل بشري.
قبل ذلك التقرير، نشرت وسائل إعلام دولية تقريراً مثيراً للاهتمام بشأن تصريح أدلى به الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، مؤخراً يكشف فيه عن تطور عسكري مرعب؛ حيث أكد أنَّ «روبوتاتٍ» عسكريةً أوكرانيةً (جنوداً آليّين) هاجمت موقعاً روسياً واقتحمته وأسرت جنوده. الصور الموثقة لتلك العملية، التي تُظهر جنديين آليين يشهران السّلاح في وجهَيْ جنديين روسيين يرفعان أيديهما عالياً استسلاماً، تضعنا أمام حقبة تاريخية مخيفة.
نحن - أقصد الإنسانية - ندخل الآن، وأعيننا مفتوحة، حقبة تاريخية قد تقود إلى ظهور «استعمارٍ أو احتلالٍ رُوبُوتِيّ»؛ حيث، من الناحية النظرية، يمكن للدول المتقدمة تقنياً غزو بلدان أقل تطوراً بجيوش من الروبوتات والمدرعات والفرقاطات المسيّرة ذاتياً. وإذا كان الهدفُ المعلَن من اللجوء إلى استخدام الروبوتات والآليات المسيّرة ذاتياً هو حمايةَ أرواح جنود الدولة الغازية، فإن الطرف المقابل سيبقى عرضة للهلاك المحتم، إلا إذا تحوّل هو الآخر إلى «مجتمع من الروبوتات».
اللافت في الأمر أنَّ التكنولوجيا التي تصنع الروبوت وتزوده بعقل آلي يمكّنه من تمييز ملامح جندي في خندق، هي ذاتُها التي مكّنت المركبة الفضائية «أرتيميس2» من تمييز تضاريس القمر بدقة متناهية. إنها، إن أمكن الوصف، «عبقرية الحسابات»؛ تلك القوة الرياضية الهائلة والمثيرة للدهشة، لكنها في جوهرها تختلف عن عبقرية صانعها الإنسان بأنها «عمياء أخلاقياً»؛ أي إنها تفتقر إلى البصيرة الأخلاقية ويعوزها الحس الأخلاقي... ودقة حساباتها المثيرة للدهشة لا تفرّق بين غزو الفضاء لخدمة العِلم، وغزو الإنسان واحتلال أرضه لسلب إرادته وحياته.
