د. عبد الغني الكندي
رئيس الجمعية السعودية للعلوم السياسية والأستاذ المساعد بقسم العلوم السياسية بجامعة الملك سعود
TT

من الإمام «الغائب» حتى المرشد «المختفي»

استمع إلى المقالة

استمعت قبل فترةٍ وجيزة عبر إحدى القنوات إلى تحليل لغيث التميمي المنشق عن التيار الصدري، الذي أصبح من أشد المعارضين للنفوذ الإيراني في وطنه بالعراق والعالم العربي. في هذا الحوار قدم التميمي طرحاً مثيراً للجدل؛ إذ ادعى أنَّ أحد المصادر الدينية الشيعية المقربة من النظام الإيراني، سربت له أنَّ مجتبى أصيب مع والدته في القصف الأميركي - الإسرائيلي، وبعد دخوله إلى المستشفى، اختفى تماماً. وأن الحرس الثوري كان هدفه الاستراتيجي من هذا هو أن يكون «طُعماً مضللاً» للإدارة الأميركية والإسرائيلية بحيث تستهدف شخصاً شبحاً، بينما في الحقيقة من يدير المشهد هو آية الله عرافي الذي لم تصرح الحكومة الإيرانية باسمه، حتى يكون محصناً من الاستهداف الأميركي - الإسرائيلي، في إطار ما يُعرف باستراتيجية «الرنجة الحمراء» القائمة على تشتيت الخصم وتوجيهه نحو مسارات وهمية.

وخلال نقاشٍ مع أحد كبار الخبراء في السياسات الإيرانية والفكر الشيعي، ممن يمتد اشتغالهم لأكثر من خمسين عاماً، حول ما ينطوي عليه هذا، شدّد على أنّ ما طرحه التميمي، وإن بدا قريباً من سرديات المؤامرة، إلا أنه يكتسب معنىً أعمق إذا فُهم ضمن أنماط التفكير السياسي - العقائدي في النظام الإيراني، حيث لا تُختزل السياسة في بعدها الواقعي، بل تتداخل مع أبعاد رمزية وعقدية مركّبة. وأشار إلى أنّ هذا النمط متجذّر في البنية الاثني عشرية، ويتجلّى عبر ثلاثة تصورات مترابطة: الإمام الغائب، والمهدي المنتظر، و«المرشد المختفي» في السياق الراهن. وفي اعتقادي الشخصي أنّ الأول يحيل إلى الماضي بوصفه مصدراً للشرعية، والثاني يجسّد أفق المستقبل واستمرارية النظرية، بينما يتجسّد الثالث كنقطة اتصال بالحاضر، بوصفه امتداداً وظيفياً ونائباً يربط بين هذين البعدين الزمنيين.

والحقّ أنّ المفاهيم التي طرحها هذا الخبير تنطوي على دلالاتٍ بالغة الأهمية. فمن حيث الزمن الماضي، لا يبدو الإمام الغائب مجرد فكرة دينية، بل يتجسّد بوصفه مصدر الشرعية التي يقوم عليها بناء ولاية الفقيه، حيث يتولى المرشد «ولي الفقيه» موقع النائب عن سلطة أصلية غير مرئية. وتبرز هذه البنية بوضوح في خطاب النخبة؛ إذ تكشف رسالة التعزية المنسوبة إلى مجتبى لوالده عن عمق تغلغل فكرة «الحكم من وراء حجاب» في الوعي السياسي الاثني عشري، حين وجّه التعزية إلى «سيده صاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف» متوسلاً الدعاء منه، وهي صيغة مألوفة داخل هذا النسق الفكري. وهنا تصبح سلطة الإمام الغائب مزدوجة: ظاهرها سياسي، وباطنها ديني مؤجل، ويرسّخ قابلية تقبّل أن الحاكم الحقيقي قد لا يكون هو الظاهر في الواجهة. ومن هذه النقطة تحديداً، ينتقل المنطق إلى مستوى أعمق، حيث لا يعود الغياب حالة مؤقتة، بل يتحول إلى بنية زمنية مستمرة، تربط الماضي بالمستقبل عبر اشتباكها مع النظرية الأخرى المتمثلة بفكرة المهدي المنتظر.

وعلى عكس الإمام الغائب في الماضي، تتجلّى صورته الأخرى في الأفق المستقبلي بوصفه المهدي المنتظر، حيث تقدّم الرواية الشيعية الاثنا عشرية سرديتها حول ولادة الإمام الغائب محمد بن الحسن المهدي - الإمام الثاني عشر وابن الحسن العسكري - في أواخر القرن التاسع الميلادي (نحو 869م)، في سياق سياسي كانت فيه السلطة العباسية تتحسب لفكرة ظهور «المهدي» بوصفه تهديداً مستقبلياً محتملاً لميزان الحكم. فبعد وفاة والده الإمام الحادي عشر، لم يظهر الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن المهدي كما ظهر من سبقه نتيجة الملاحقة العباسية التي استهدفت اغتياله، بل دخل في طور الغيبة الصغرى، حيث استمر التواصل معه عبر وسطاء محددين، قبل أن تنقطع أخباره تماماً مع بداية الغيبة الكبرى منذ عام 941م، وهي الحالة التي ما تزال مستمرة حتى اليوم.

ومنذ ذلك التحول، يتأسس التصور العقدي على فكرة استمرار الغياب بوصفه امتداداً زمنياً متصلاً يعبر من الماضي نحو المستقبل، لا حدثاً عابراً منفصلاً عن سياقه. ففي العقيدة الشيعية الاثني عشرية، يُعتقد أن محمد بن الحسن المهدي، المعروف بـ«المهدي المنتظر»، لا يزال حيّاً رغم مضيّ أكثر من اثني عشر قرناً على غيبته منذ القرن الثالث الهجري، إذ يُؤوَّل امتدادُ عمره، على نحوٍ يتجاوز القوانين الطبيعية المُحتمة لفناء الكائنات الحيّة، بوصفه فعلاً إلهيّاً مؤسَّساً على حكمة الغَيبة، ومتصلاً بمنطق الانتظار إلى حين تحقّق لحظة الظهور في آخر الزمان لإقامة العدل. وهذا يعني أن هذه الشخصية تعيش في الوعي الشيعي بوصفين لشخصٍ واحد؛ فهو «الإمام الغائب» من حيث حالته الماضية (الاختفاء وعدم الظهور)، وهو في الوقت نفسه «المهدي المنتظر» من حيث دوره المستقبلي؛ إذ يُعتقد أنه سيعود ليملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئت جوراً؛ أي أن الفرق ليس في الشخصية، بل في الامتداد الزمني: ماضٍ غائب، ومستقبلٌ مُنتظَر. وبذلك، لا تبدو فكرة «المهدي المنتظر» منفصلة عن «الإمام الغائب»، بل تمثّل امتداداً عضوياً لها حيث يتحول الغياب من واقعة تاريخية إلى بنية عقدية دائمة، تُعيد تشكيل تصور الزمن والسلطة، وتؤسس لانتظارٍ مستقبلي مؤجل.

ولا تكتفي سرديتا «الإمام الغائب» و«المهدي المنتظر» بإضفاء بعدٍ روحي، بل تؤسّسان لقبولٍ عملي لفكرة «الغياب الحي»، أي افتراض وجود قيادةٍ غير مرئية يُبنى عليها الفعل السياسي، على نحوٍ يجعل الامتداد الزمني لهذه الفكرة ممتداً بين ماضٍ مؤسِّسٍ للشرعية ومستقبلٍ مؤجَّلٍ للتحقق. وبهذا المعنى، لا تعود الأسطورة مجرد حكاية، بل تتحوّل إلى إطارٍ إدراكي يُعاد من خلاله تفسير الواقع وإضفاء المشروعية على بنيته. ومن هنا، يغدو الانتقال إلى بعد زمني ثالث أمراً منطقياً، حيث تتجلّى إعادة إنتاج معاصرة لهذه الفكرة فيما يمكن تسميته «المرشد المخفي»، بوصفه تمثيلاً للزمن الحاضر الذي يربط بين «الإمام الغائب» في الماضي و«المهدي المنتظر» في المستقبل.

ومن هنا، لا يبدو طرح وجود المرشد المخفي - مجتبى - فكرةً معزولة عن النسق الزمني، بل امتداداً مباشراً للحلقة الحاضرة في هذه البنية الفكرية. فإذا كانت الشرعية تتأسس على الإمام الغائب في الماضي، وكان الوعي الجمعي الاثنا عشري يتقبّل حضوره رغم غيابه وبقائه حيّاً منذ اثني عشر قرناً، مع ترقّب ظهوره في المستقبل بوصفه المهدي المنتظر، فإنّ افتراض وجود مرشد أعلى غير معلن عنه في الحاضر - ينوب عن الإمام الغائب في دهاليز الماضي، ويمهد الأرضية لاستقبال المهدي المنتظر مستقبلاً - يحل محل القيادة الظاهرة، يصبح أمراً قابلاً للتصديق. بل إنّ احتمال وفاة القائد المُعلن، مجتبى، أو عجزه، مع الإبقاء على صورته واجهةً للتضليل الاستراتيجي، بما يحول دون استهداف القيادة الفعلية المتمثّلة في آية الله عرافي - إن صحّت رواية التميمي - ينسجم مع نمطٍ يجمع بين الخداع الاستراتيجي وهذه البنية السياسية - الدينية.

في المحصلة، فإنّ ما أشار إليه هذا الخبير اقتصر على المفاهيم الثلاثة - الإمام الغائب، والمهدي المنتظر، والإمام المخفي - بوصفها مداخل تفسيرية لهذا النمط من التفكير، هو ما حفّزني على تتبّعها وبناء قراءة تصل بينها ضمن إطار تحليلي واحد. ومن خلال هذا الربط، يتبيّن أنّ القاسم المشترك بينها لا يتمثّل في غيابٍ اعتباطي، بل في توظيف هذا الغياب بوصفه أداةً استراتيجية ضمن أدوات ممارسة السلطة.

ولا يقتصر هذا الغياب على تشكيل الوعي العقدي أو الآيديولوجي، بل يؤدي وظيفة مزدوجة: ترسيخ التصورات في الداخل، وإرباك إدراك الخصوم في الخارج، بما في ذلك القوى المعادية كالولايات المتحدة وإسرائيل، عبر امتداد زمني متصل يشمل الماضي والحاضر والمستقبل. وبناءً على ذلك، يمكن فهم هذه المفاهيم ضمن نسق وظيفي متكامل؛ فالإمام الغائب يؤسّس لمصدر الشرعية في الماضي، والمهدي المنتظر يرسّخ استمرارية الفكرة في المستقبل، بينما يتكفّل «الإمام المخفي» بإعادة إنتاجها كسلطة سياسية في الحاضر.

وبهذا المعنى، لا تعود «الأسطورة الدينية ذات الدلالات السياسية» مجرد عنصر رمزي، بل تتحول إلى جزء فاعل من آليات إدارة السلطة. والمفارقة أنّ هذا النمط من التفكير - الذي يقترب في بنيته من هذه التصورات - لا يزال حاضراً ومؤثراً في القرن الحادي والعشرين.