مصطفى فحص
كاتب وناشط سياسي لبناني. حاصل على الماجستير في الدراسات الإقليمية. خبير في السياسة الخارجية لروسيا بالشرق الأوسط. متابع للشأنين الإيراني والعراقي. وهو زميل سابق في «معهد العلاقات الدولية - موسكو (MGIMO)». رئيس «جائزة هاني فحص للحوار والتعددية».
TT

بنت جبيل 1920ــ 2026: بين تأسيس الكيان ونهائيته وعقدة الشراكة

استمع إلى المقالة

بنت جبيل في الذاكرة الجماعية الشيعية ليست حيزاً جغرافياً فقط، كما تحاول نخب «حزب الله» تصويرها حالياً، وكأن الخروج الميداني منها ليس إلا خسارة عسكرية، بالرغم من رمزيتها الكبيرة. لكن الحقيقة القاسية هي أن احتلالها من قبل إسرائيل وتدميرها سيقوّضان الذاكرة السياسية الشيعية المعاصرة بشكل عام، والعاملية بشكل خاص، ويعيدان طرح إشكالية الانتماء إلى الكيان الجديد المفصول أو المقطوع أو المأخوذ من سوريا التاريخية، ودور الجماعة اللبنانية الشيعية في تأسيس لبنان الكبير في سبتمبر (أيلول) 1920، وخصوصاً الأحداث السياسية والعسكرية التي سبقت ولادته، وما تلاها من إشكالية في الشراكة بعد تثبيته، واستقلاله.

بين أبريل (نيسان) 1920 - تاريخ دخول الحملة الفرنسية إلى مدينة بنت جبيل وحرقها وتهجير أهلها- وشهر أبريل الحالي، ومحاولة جيش الاحتلال الإسرائيلي السيطرة عليها، استعادةٌ لرمزية إشكالية تاريخية حول مصير جبل عامل، أو بلاد بشارة كما كانت تُسمّى في ذلك الوقت، وما بات يُعرف في هذه المرحلة بمناطق جنوب نهر الليطاني، التي شكّلت سابقاً - ولا تزال - عقدة حدودية منذ بداية الانتدابين الفرنسي والإنجليزي على منطقة شرق المتوسط.

يشير المؤرخ اللبناني العاملي الدكتور منذر جابر إلى تصادم فرنسي–إنجليزي حول تغيّر الخرائط التي رسمتها قوى الانتداب، ويتحدث عن لغز بريطاني في الأحداث الدموية التي جرت بعد مؤتمر وادي الحجير عام 1920، والذي قرّر فيه بعض أعيان الشيعة رفض الانضمام إلى لبنان الكبير، والبقاء ضمن سوريا الكبرى، ثم عادوا واندَمجوا كلياً. وكان جزء من قرار الاندماج، أو التمسك بالكيان اللبناني، يعود إلى قلق عاملي من خطط استعمارية تعمل على تقسيم جبل عامل إلى شطرين: قسم ينضم إلى لبنان الكبير، وقسم يُضاف إلى فلسطين تحت الانتداب البريطاني.

ويرى الدكتور جابر أنه بعد تجاوز عقدة مؤتمر الحجير وتداعيات الأحداث الأليمة التي تبعته، شكّلت تلك المرحلة دافعاً للاندماج الكلي في الكيان اللبناني، الذي دفع بأعيان الشيعة حينها، برأي جابر، إلى إيجاد «وَسْعَة» معترف بها لهم، أي الاعتراف بهم طرفاً شرعياً في ترسيمة لبنان الكبير. وهذه «الوَسْعَة» لم تكن تتعدّى حصصاً معقولة في الوظائف، وفي أمورٍ ضرائبية، وأمورٍ حياتية. وهذا ما يثبت أن انبثاق الشيعة بذاتيتهم الطائفية لم تظهر بوادره إلا في عهد الانتداب، من خلال الإقرار بالطوائف التاريخية بكياناتها التقليدية.

ولأن بنت جبيل ليست حيزاً جغرافياً فقط، ولأن بلاد جنوب النهر جزءٌ أساسي من تشكّل الكيان اللبناني، ونهائيته عند الجماعة الشيعية، فهي مهدّدة بالانسلاخ، والضياع، وخسارتها في مخططات إسرائيل الموسّعة، والتي يخطّط العقل الإسرائيلي الاستراتيجي لتحقيقها بغطاء عقائدي تلمودي، وهو ما قد يحقق ما لم تحققه بريطانيا سنة 1920.

في السياسة، نجح أعيان الشيعة سابقاً في الاندماج بعيداً عن عقدة الشراكة، وتجاوزوا أزمة الدور، والحجم، والتمييز، وتأهّلوا للتعامل مع حدود قوتهم. ولكن الآن، عندما فاضت قوتهم على كامل الكيان، وأخطأوا الحسابات في علاقتهم غير الطبيعية بسوريا زمن البعث، وارتباطهم الكلي بإيران وطموحاتها الإقليمية، تواجه الجماعة الشيعية نكبة إنسانية، وجغرافية، وسياسية. وإذا لم يُدركوا ذلك، فسيعيدون أخطاء بعض أسلافهم الذين أخطأوا الاندماج، ليكون خروجهم ليس من الجغرافيا فقط. وتبقى لبنت جبيل ونكبتها ونكبة الجنوب أحاديث ذات صلة.