في حسابات السياسة الداخلية، تدّعي طهران أنها انتصرت، معتمدةً على معادلة أن النظام لم يسقط، على الرغم من ضبابية هرميته وكيفية صناعة قراره، وكأنها تتقمّص معادلة الجماعات المسلحة التي أنشأتها في دول مجاورة وخاضت من خلالها حروب نفوذها، والتي تتمسّك حتى الآن بالمعادلة ذاتها: أن «البقاء على قيد الحياة انتصار»، بمعزل عن حجم الخسائر الضخمة في الأرواح والأرزاق، وما تتعرض له الدول من خسائر عامة. وهذا ما جرى في لبنان والعراق وسوريا سابقاً ولاحقاً، ويجري في إيران اليوم، إذ دمّرت الحرب عليها جزءاً كبيراً من أصول الدولة العسكرية والاقتصادية والمدنية، لكن النظام، وهو في غيبوبته ومصيره المجهول، يقول إنه انتصر.
في حسابات الميدان العسكري، أولاً، نفّذت طهران عدواناً مقصوداً على الدول العربية المجاورة لها. أما ثانياً، فإن الحرب عليها حقّقت جزءاً كبيراً من أهدافها ودمّرت أغلب ترسانتها، فيما كان ردّها على الكيان الإسرائيلي محدود الفاعلية الاستراتيجية. أما ضرباتها على الأصول العسكرية الأميركية، فكانت محدودة جداً، وأضرارها أصابت دول الجوار ولم تُصِب قواعدها، باستثناء مضيق هرمز، الذي سيتحوّل إلى معضلة الحرب والسلم، وقد يتحوّل ثمن إغلاقه أعلى من ثمن فتحه. وإذا عاندت طهران في لعبة مساراته، فقد يتحوّل من نعمة عسكرية لها إلى نقمة استراتيجية دولية عليها.
في حسابات الهدنة والتفاوض، حتى الآن، يتوجّه الطرفان إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، على الرغم من إهمال واشنطن لكل ما نشرته طهران من شروط من جهة، ومن جهة ثانية، على الرغم من استمرارها في إغلاق مضيق هرمز، وبمنأى عن ضمّ لبنان إلى الهدنة.
في الحسابات اللبنانية، لا يبدو لبنان جزءاً من اليوم التالي بعد الحرب أو الهدنة. فإسلام آباد، على ما يبدو، قامت بواجبها التفاوضي أمام طهران التي تدّعي أنها طلبت أن تشمل الهدنة لبنان. وكأنها، حتى الآن، ستذهب إلى التفاوض على الرغم من الموقف العدائي الإسرائيلي الذي يرفض وحدة الهدنة ويُصرّ على استكمال عدوانه، وغضّ طرفٍ أميركي خرج على لسان الرئيس الأميركي ونائبه.
في يوم الأربعاء الدامي، والعدوان الذي طال العاصمة بيروت بشكل مكثّف، كانت هناك رسالة إسرائيلية مباشرة إلى الداخل اللبناني والخارج؛ عنوانها أن اليوم التالي بعد الحرب تُقرّره تل أبيب، وليس أي مسار تفاوضي خارجي آخر، وهي مُصرّة على فصل المسارات تفاوضياً وعسكرياً، حتى لو نجحت مفاوضات باكستان في إرساء الهدنة.
داخلياً، الدولة رحّبت بالهدنة وبمفاوضات إسلام آباد بين واشنطن وطهران، لكنها رفضت أن يفاوض الطرفان على لبنان بالإنابة عنها، خصوصاً أن التجارب السابقة كانت مُجحفة بحق لبنان. فتل أبيب، التي كان من الممكن، بحسب التسريبات، أن تمارس خفضاً للتصعيد، لكنها سياسياً وعسكرياً لن تقبل بمسار تفاوضي مع الدولة اللبنانية يسحب منها امتيازها العسكري الذي انتزعته من المفاوضين اللبنانيين (رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس مجلس الوزراء السابق نجيب ميقاتي) في حرب الإسناد الأولى، وهو اتفاق سمح لها باستمرار عملياتها على لبنان، وتريد استمراره، إضافةً إلى الاحتفاظ بما سيطرت عليه ميدانياً أو بالنيران في هذه المرحلة.
المستاؤون، وهم فعلياً المصدومون حقيقةً من الفعل الإيراني الذي ألزم لبنان بالحرب ولم يلتزم إخراجه منها، أداروا آذانهم الصمّاء لكل ما صدر عن العدو في الساعات الأولى لإعلان الهدنة، بأن لبنان غير مشمول، وأن العدوان مستمر حتى تحقيق أهدافه. ومن هول الصدمة السياسية والنفسية، وجدوا ضالتهم في الدولة التي رفضت دور الوكلاء، وليس الهدنة أو التفاوض، ولن تسمح لأحد في الداخل أو الخارج بأن يتصرّف بالإنابة عنها، فشنّوا حملة تخوين مُمنهجة ضد الحكومة ورئيسها.
في لحظة بالغة الحساسية والمسؤولية، كان الأحرى بهذه النخب أن تكون عقلانية، وتنتبه إلى حجم الأزمة الوطنية التي يمرّ بها لبنان، دولةً وشعباً، وتدعو إلى الحوار والنقاش بدل الترويج لشائعات قد تتسبب بفتنةٍ تحرق ما تبقّى من أخضر، بعدما حوّلت الحربُ كل شيء إلى يباس.
الواضح أنه في اليوم الثاني بعد الهدنة، رسمت تل أبيب المسار اللبناني بالنار، لكنّها، في اليوم التالي بعد جعل السراي الحكومي هدفاً افتراضياً، ستترك المسار اللبناني للبنانيين الذين اختاروا الفتنة، هروباً من إنكار الواقع الذي فرضته حرب إسناد طهران.
ففي الحقيقة، تستطيع طهران ألّا تدخل غرفة المفاوضات دعماً لأذرعها، ولكن، للعلم، هذه ليست المرة الأولى التي تُفضّل فيها مصالحها الوطنية على الجميع. والذين يرفضون هذه الحقيقة، هناك شواهد كثيرة أغرت بهم وتركتهم، لكنهم عادوا إلى أوطانهم وذويهم بعد تجربة مريرة.
