سيُعقد للمرة الأولى في الأسبوع الأخير من هذا الشهر في مدينة سانتا مارتا الكولومبية مؤتمر دولي للتحول العادل للطاقة، يتناول مستقبل الكهرباء المولَّدة من مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة وسبل تمويلها، والتطورات التكنولوجية المخفضة لتكلفة إنتاجها وتوزيعها. وتحشد له الدولتان المنظمتان له -هولندا وكولومبيا- تجمعاً من البلدان الساعية لتنويع مصادر الطاقة، وجمعاً من الخبراء وممثلي المجتمع المدني.
وفي مقال نشرته مجلة «نيو ستيتس مان» البريطانية، للاقتصادي مايكل جاكوبس، أن هذا المؤتمر يدشن لتجمع «للبلدان الكهربائية» التي ستبدأ تدريجياً ثم سريعاً الاعتماد في مجالات النقل والتدفئة والتبريد على الطاقة المتجددة والنووية، وفقاً لخطة عمل بمعايير ومحفزات ونظم للرقابة تتفق عليها فيما بينها.
ورغم ما حققته عمليات البحث والتطوير وتكنولوجيا الإنتاج من تخفيض هائل في تكلفة الكهرباء المولَّدة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فإنها تعترضها تكاليف شبكات الكهرباء المؤهلة للتعامل مع هذه المصادر. وما زالت تكلفة تخزين الكهرباء المولَّدة من الطاقة المتجددة -في حال غابت الشمس أو قلَّت حركة الرياح- تمثل عوائق للتوسع، وإن كانت هناك طفرات ستتغلب عليها حققتها الصين التي تفوقت على اليابان والولايات المتحدة، في تكنولوجيا البطاريات.
وقد شهدت بنفسي في زياراتي مؤخراً للصين، في معارض مصاحبة لمؤتمرات للتنمية والاقتصاد والتعاون الآسيوي عُقدت في بكين وتيانجين وهاينان، ما طورته مراكز البحث والجامعات والمصانع الصينية لإنتاج بطاريات معمِّرة سريعة الشحن، ممتدة الاستخدام لوسائل النقل المتنوعة، والآلات والأجهزة المنزلية والهواتف والطائرات المُسيَّرة. وهذه من بعض أمثلة تقدم الصين في التكنولوجيا الخضراء التي يزداد الطلب عليها مواكبة للتطور أو توقياً لمخاطر التركز. وتجد الخطة الخامسة عشرة للصين التي تمتد من هذه السنة حتى 2030، ملبيةً لطلب الداخل استهلاكاً وإنتاجاً، والخارج تصديراً، بأنشطة التنمية الخضراء، وتطوير الصناعات التكنولوجية، والارتقاء بالبحث والتطوير وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ويشكل ازدياد الطلب على هذه المنتجات التي تُعدُّ الصين مصدراً رئيسياً لها طلباً على التمويل أيضاً، للتحول للطاقة في «البلدان الكهربائية التوجه». وهنا يأتي دور العملة الصينية ارتباطاً بهذا التوجه، بما يمكن أن نطلق عليه «الإلكترو-رينمينبي» أو تسهيلاً «الإلكترو-يوان»، بما يشبه -مع فوارق- ما كان من شأن الدولار مع مصادر الطاقة التي اعتمدت على البترول فيما عُرف بـ«البترو-دولار».
فبعد «صدمة نيكسون» التي أربكت العالم مع إعلان الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون عن عدم تحويل الدولار إلى ذهب في عام 1971، انتهى العمل بنظام «بريتون وودز» لعام 1944 الذي دشَّن الدولار كعملة احتياطية، فارتبطت به العملات المحلية للدول بأسعار صرف ثابتة، على وعد بتحويله تلقائياً للذهب بمقدار 35 دولاراً لكل أونصة من الذهب، بدأ جدل لم يتوقف حول نظم سعر الصرف ومدى عدالتها وكفاءتها، مع محاولات مضنية للبحث عن بديل للدولار المتوَّج الذي سمح لأميركا بالاقتراض دولياً والسداد بما تطبعه محلياً بتكلفة زهيدة عليها باهظة على الآخرين. وتجددت تساؤلات عن هذا الامتياز السخي الفياض للدولار كعملة احتياطية، على حد وصف جيسكار ديستان عندما كان وزيراً في الحكومة الفرنسية في الستينات من القرن الماضي.
وبعد «صدمة نيكسون» وازدياد الشكوك حول استمرار الدولار كعملة احتياطية دولية، أتت النقلة النوعية بتصحيح أسعار البترول بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 وحظر تصدير النفط، وأزمة الطاقة الأولى في القرن العشرين، ثم الاتفاق على تسعير صادراته بالدولار في عام 1974، واستثمار الفوائض المتحققة في الأسواق العالمية والسندات الأميركية. فكان الطلب على البترول يعني طلباً تلقائياً على عملة تسوية مدفوعاته، وهي الدولار. واستمر هذا إلى اليوم، فنحو 80 في المائة من معاملات سوق البترول الدولية تتم بالدولار.
وقد استعرضتُ في هذه الصحيفة الغراء، في مقال منشور في يونيو (حزيران) الماضي ما ذكَّرنا به الكتاب الأخير للاقتصادي الأميركي كينيث روجوف من مقولة لوزير الخزانة جون كونولي في عهد نيكسون، عندما واجه المعترضين على آثار السياسات الأميركية الدولارية المنفردة على اقتصاداتهم بقولته الشهيرة: «هو دولارنا، وتلك مشكلاتكم»، وهي سياسات مستمرة حتى الآن في مضمونها، وإن اختلفت أساليب فرضها نعومةً أو رعونةً من إدارة لأخرى.
ولما كان الخلود ليس من صفات العملات الدولية، فقد شاهدنا تراجعاً لسيطرة الدولار كعملة احتياطية، من 71 في المائة من إجمالي عملات الاحتياطي في عام 2000 لنحو 59 في المائة في عام 2025. فالدولار محل مقارنة ورصد دائمين لقيمته ومدى استقراره وصموده أمام موجات التضخم والديون المتزايدة، واستمرار الولايات المتحدة في الوفاء بالتزاماتها، وتمتعها بسيولتها المالية لتعتبر ملاذاً آمناً.
فمع تضخم الديون الأميركية وزيادة تكلفة الاقتراض فيها، وتحجيم دور البنك الفيدرالي وتهديد استقلاله في كبح التضخم، مع زيادة ضغوط الصراعات الجيوسياسية والحروب التجارية، فالذي يهدد عرش الدولار ومصداقيته والثقة فيه واعتباره وأوعيته المالية ملاذاً آمناً، يأتي بالأساس من الداخل، بما حذر منه المؤرخ الاقتصادي باري إيكنغرين في كتابه الأخير المعنون «نقود وراء الحدود».
لكن التحول من عملة دولية إلى عملة أخرى عبر الحدود ليس عملية تلقائية بسيطة، كأن نتصور أن ما أفاد الدولار من البترول سيفيد اليوان من الكهرباء. فعلينا أن نتابع نهج الصين في تدويل عملتها، ومدى استعدادها لتحمل أعباء التدويل وأثره على ميزان مدفوعاتها. وما هو شأن الذهب واليورو والعملات الدولية الأخرى الساعية لمزاحمة الدولار؟ وما هو أثر تكنولوجيا المال في هذا كله؟ وهو ما سيستعرضه مقال قادم.
