جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

فرنسا... العدُّ العكسي للانتخابات الرئاسية

استمع إلى المقالة

ثلاثةَ عشرَ شهراً تفصل فرنسا عن معركة الانتخابات الرئاسية. يوم الأحد الماضي انتهت الجولة الثانية والأخيرة من الانتخابات البلدية (عمداء المدن).

الانتخابات -كما هو متوقع- أبرزت، استناداً إلى المعلقين، مشهداً سياسياً متشظياً وأكثر تعقيداً من الانتخابات التشريعية السابقة، يعكس بشكل كبير حالة التيه التي يعيشها الناخب الفرنسي، قبل عام واحد من معركة انتخابات رئاسية.

الانتخابات شهدت نسبة مشاركة متدنية من الناخبين. وبالتالي فإنَّ النتائج لا تعكس «تيه الناخب» بقدر ما تعكس «لا مبالاة الناخب» حسبما يقول المعلقون.

النتائج النهائية للانتخابات أوضحت -بما لا يترك مجالاً لشك- أن الخاسر الأكبر كان حزب الرئيس إيمانويل ماكرون. المعلقون الفرنسيون يرون أن فشل الحزب طيلة سنواته العشر الماضية في بناء قاعدة شعبية في الأقاليم جعلته في وضع انتخابي هشٍّ جداً، مما اضطره لدعم مرشحي اليمين التقليدي (الجمهوريين) أو الوسطيين، لمنع فوز اليمين المتطرف أو اليسار الراديكالي؛ الأمر الذي يعني واقعياً ذوبان شخصية الحزب المستقلة.

لعل أفضل التفاسير لفشل الحزب ما ذكره بعض المعلقين، وهو أن الحزب «صُمم كـ(ماكينة انتخابية) للرئاسيات، وليس حزباً قاعدياً. الفشل في البلديات ليس مفاجئاً؛ بل هو طبيعة بنيوية في الأحزاب (الوسطية) التي تعتمد على كاريزما الزعيم؛ لا على الولاء الحزبي في الأقاليم».

اليمين المتطرف ممثلاً في «التجمع الوطني» بقيادة مارين لوبان، حقق نصراً في مدينة نيس، وهي مدينة مشهورة، ولكن الفوز بدا ناقصاً؛ لأن المرشح الفائز بمنصب عمدة المدينة ينتمي لحزب يميني آخر.

الحزب حقق نجاحات عدة في مدن أخرى صغيرة في الأرياف، ولكن الناخبين في المدن الكبيرة؛ خصوصاً في مدينتي مارسيليا، ثاني أكبر المدن الفرنسية، وليون، اختاروا التصويت إلى أحزاب معتدلة من اليمين واليسار.

العاصمة باريس (الجائزة الكبرى) ظلت على ولائها للاشتراكيين، بالتصويت إلى نائب عمدة المدينة السابقة آن هيدالغو. فشل اليمين المتطرف يعود إلى تحالف انتخابي ضمني بين أحزاب اليمين واليسار والوسط، أطلق عليه اسم «الجبهة الجمهورية» بهدف قطع الطريق على المتطرفين اليمينيين.

الأحزاب المتطرفة في العادة تبرز في استطلاعات الرأي العام، وتتقدم القوائم؛ لكنها تفشل في اكتساح صناديق الانتخابات في المدن الكبرى. هذه القاعدة لا تخلو من استثناءات. المدن الكبرى ليبرالية تاريخياً. واستناداً إلى آراء معلقين، فإن صمود أحزاب اليسار (الاشتراكيين والخضر) في المدن الكبرى، هو تحالف ضرورة، وليس استعادة لشعبية مفقودة. يمكن في هذا السياق الاستشهاد بما حدث في مدينتي باريس وطولون. في الأولى توحدت أحزاب اليسار، وتمكنت من الاحتفاظ بالسيطرة على العاصمة. في طولون حدث العكس؛ حيث أصرَّ حزب فرنسا الأبية الراديكالي على عدم الانضمام لقائمة اليسار، ودخول الانتخابات وحده، فبقيت المدينة في قبضة اليمين التقليدي. الانقسام اليساري سهَّل من مهمة اليمين، وفازت مرشحتهم، حائلة دون فوز التجمع الوطني اليميني المتطرف بعمودية المدينة.

الانتخابات الأخيرة جاءت نتائجها لتؤكد أن فرنسا سياسياً أضحت فرنسات. وبات الانقسام الجغرافي واضحاً: مدن كبرى يسارية ليبرالية، ومدن متوسطة وأرياف تتجه بقوة نحو اليمين المتطرف، ووسط سياسي (ماكروني) يتلاشى تدريجياً.

الانتخابات أبانت كذلك أن الناخب الفرنسي في البلديات فضَّل الاستقرار المحلي من خلال حرصه على إعادة انتخاب العُمَد الحاليين، بدلاً من التورط في تجربة اليمين المتطرف في الإدارة. وبالطبع، هذا لا يعني بالضرورة أنه سيصوِّت بالطريقة نفسها في الانتخابات الرئاسية العام المقبل.

الانتخابات الأخيرة عززت من الرأي القائل بأن الناخب الفرنسي لا يزال -عموماً- غير واثق في الأحزاب المتطرفة يميناً والراديكالية يساراً. حزب التجمع الشعبي اليميني المتطرف، رغم كل استطلاعات الرأي العام التي تضعه في المقدمة، مُني بخيبة أمل كبيرة لفشله في الفوز بعمودية مدينة مارسيليا، رغم كل جهوده. والأمر نفسه حدث مع حزب فرنسا الأبية اليساري الراديكالي، في مدينة طولون التي توصف بأنها مخزن اليمين.

ويظل السؤال قائماً: هل سينجح اليمين المتطرف، ممثلاً بحزب التجمع الوطني، في ترجمة تمدده في الأرياف والمدن المتوسطة، بالوصول إلى قصر الإليزيه؟ أم أن «الجبهة الجمهورية» ستعيد إنتاج نفسها في الانتخابات الرئاسية القادمة؟

الانتخابات البلدية الأخيرة أظهرت أن الناخب الفرنسي، مثل الناخب البريطاني، لا يزال يميز بين «الاختبار المحلي» و«الخيار الوطني»، وهو ما يجعل المشهد الرئاسي غامضاً.