بَيتُ القَصِيدِ اليَوْمَ، مِنْ قَصِيْدَةٍ لَا تُنَافِسُهَا قَصِيدَةٌ فِي الشُّيوعِ والانْتِشَارِ وَالاشْتِهَار.
وَلا أحسبُنٍي وَاهِماً بِقَولِي: إنَّ أوسعَ نَصٍ عَرَبِيٍّ انتشاراً، فِي أصْقَاعِ المَعْمُورَةِ، بَعْدَ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، هُوَ قَصِيدَةُ (البُردة)، للبُوصَيْرِي (608-696هـ=1212-1296م)، التِي مَدحَ بِهَا النَّبِيَّ ﷺ، والمُفَارقةُ اللافتةُ أَنَّ اشتهارَ القَصِيدةِ وذيوعَهَا، أسْهمَ فيهِ المُسلمونَ العَجمُ أكثرَ من العَرَب، منْ خِلالِ تَردِيدِهَا فِي المُناسَباتِ الدّينيةِ والاجتماعيةِ، بالنَّظرِ إلَى كَوْنِ نِسبةِ المُسلمينَ العَرَبِ لَا تَتجَاوًزُ 20% منْ مَجموعِ عَددِ المُسلمِينَ كَافَّة.
نعودُ للبردَةِ، وفيهَا يَقولُ الدكتورُ زكِي مبارك: «تُعَدُّ قصيدةُ البردةِ أوَّلَ قصيدةٍ قيِّمَةٍ فِي مَدحِ الرَّسولِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وَلمْ تَكنِ المَدَائحُ النَّبَويَّةُ ممَّا يَتكلَّمُ فيهِ الشُّعراءُ، وَالبُوصيرِيُّ هوَ الّذِي ابتكرَ هذَا النَّوعَ، أوْ هوَ الّذِي بَسَطَهُ وَأطَالَ فيهِ القَصِيد».
وَذَهبَ (الدكاترة) زكِي مبارك، إلَى أنَّ «البُوصيريَّ بهذهِ البردةِ، هوَ الأستاذُ الأعظمُ لِجماهيرِ المُسلمِينَ، وَلِقصيدتِهِ أَثَرٌ في تَعليمهِمُ الأدبَ، والتَّاريخَ، وَالأخْلَاق».
ذلكَ أنَّ البردةَ جاءتْ فِي 162 بيتاً، قَسَّمَهَا البُوصيريُّ موضوعياً إلى عَشرَةِ مَواضيعَ، بينهَا تناولُهُ طبيعة النَّفسِ البَشريَّة، وتحذيرُه من هوَى النُّفوس، مُبيّناً خطورةَ التَّراخِي مع النَّفسِ الأَمَّارَة، فظهرتْ هُنَا بجلاءِ الحِكمةِ في شعرِ البًوصيري. وَأَجَلُّ هذه الحِكَمِ مَعْنَى، وأَجْمَلُهَا مَبْنَى، بيتُه الذِي صارَ مثلاً سائراً، وحِكْمَةً ذَائِعَةً، وهُوَ قولُه:
وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى حُبِّ الرَّضَاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ
(النَّفْسُ) لُغَةً: هي الدَّمُ، يُقالُ: سَالَتْ نَفْسُهُ. ومنهُ قَوْلُ السَّادَةُ المَالِكِيَّةُ: «كُلُّ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ لَا يَنْجَسُ بِالْمَوْتِ، وَلا يَنْجَسُ مَا مَاتَ فِيهِ مِنْ مَاءٍ».
وَقِيلَ: (النَّفْسُ) لُغَةً: حَقِيقَةُ الشَّيْءِ، وَاصْطِلَاحاً: لَطِيفَةٌ فِي الْجَسَدِ تَوَلَّدَتْ مِنِ ازْدِوَاجِ الرُّوحِ بِالْبَدَنِ وَاتِّصَالِهِمَا مَعاً.
واختلفُوا في تعريفِهَا خِلافاً واسعاً، وَمَا أجْمَلَ قولَ الصَفَدِي بَعْدَ استعراضِه تعريفاتٍ متعددةً ومتباينة!: «فَالنَّفْسُ والشَّيْءُ الَّذِي يُشِيْرُ إليهِ كُلُّ أَحَدٍ بِقَوْلِهِ: أَنَا!
و(الطِّفْلُ): من الكَلماتِ التِي تطلقُ علَى المُفردِ والمُثنَّى والجَمعِ، كَمَا فِي قولِهِ تَعَالَى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾، فذكرَ (الطّفل)، ثمَّ قالَ عَنه: (الذّين)، وَهيَ لِلجَمْعِ، كَمَا اسْتخدمَ، واوَ الجَمَاعَةِ، فِي فِعلِ الطّفلِ المُضَارِع: (يَظْهَرُوا) وهذَا يُسمَى الالتِفَات للجَمع.
ومثلُ (الطّفل)، (الضَّيف)، فهيَ تقعُ علَى الجَمعِ، كمَا تقعُ علَى المُفْرَد، يقولُ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾، وَدَليلُ أنَّ (ضيف)، فِي الآيةِ للجَمعِ، نَعتُهُ الضَّيفَ بـ(المُكرمِينَ)، وَهوَ وَصفُ جَمْعٍ.
(تهمِلْه)، الإِْهْمَالُ لُغَةً: تَرْكُ الشَّيْءِ وَالإِعْرَاضُ عَنْهُ، وَأَهْمَلَ أَمْرَهُ: لَمْ يُحْكِمْهُ، وَأَهْمَلْتُ الأَْمْرَ: تَرَكْتُهُ عَنْ عَمْدٍ أَوْ نِسْيَانٍ، وَمِنْهُ: سَلَّةُ الْمُهْمَلَاتِ، سُمِّيَّت لِأَنَّ النَّاسَ تَقْذِفُ فيها مَا لَا تُرِيْدُهُ، يَرْمُونَ المُهْمَلَاتِ عَلَى غيرِ ترتيبٍ وبإهمَالٍ وَفَوضَى.
(شَبَّ عَلَى): أَي نَشَأَ واعتادَ علَى هذَا الفِعل، وَقَدْ يَعتَادُ علَى تَركِ شيْءٍ مَا.
(حُبِّ الرَّضَاعِ): الحبُّ هنَا بِمعنَى: إدْمَانُ العَادَةِ ولزومُهَا والالتصاقُ بهَا. والرَّضَاعُ هوَ تغذيةُ الطّفلِ الصَّغيرِ بِالحَليبِ، مِنْ ثَديي وَالدتِه، أوْ منِ امْرأةٍ غَيرِهَا، أوْ عبرَ حَلِيبِ الحَيوَانِ، أوِ الحَلِيبِ المُصَنَّع.
وَالعَادَةُ أن يُرضَعَ الطّفْلُ الحليبَ فهوَ المكوَّنُ الغذائِي الرَّئيسُ له، وإذَا لمْ يتركْهُ لأيّ سَببٍ، فإنَّه يُقطَعُ عن الرَّضَاعِ جَبْراً، وَهوَ مَا يُسَمَّى (الفِطَامُ): فَطَمَ الصَّبِيَّ: فَصَلَهُ مِنَ الرَّضَاعِ. وأصلُ الفِطَامِ القَطْع، ولَا يكونُ القطعُ إلَّا قَسراً، وَهَكذَا يجبُ أنْ يَمنَعَ الإنْسَانُ نفسَهُ الأَمَّارَةَ عنْ تَولّيهَا إدَارةَ شَأنِه، وإلَّا دفعَ الثَمَنَ غالياً فساداً في أمْرِه، كَمَا يَقولُ شَوقِي مُعَارِضاً بُردةَ البُوصَيرِي، فِي قَصِيدتِهِ (نَهج البردة):صَـلَاحُ أَمْـرِكَ لِلَأخْلَاقِ مَرْجِـعُـهُ
فَـقَـوِّمِ النَّـفْسَ بِالَأخْـلَاقِ تَسْـتَقِمِ
وَالنَّفْسُ مِنْ خَيْرِهَا فِي خَيرِ عَافِيةٍ
وَالنَّفْسُ مِنْ شَرِّهَا فِي مَرْتَعٍ وَخِمِ
