عندما هدَّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمهاجمة منشآت الطاقة بإيران إن لم يفتحوا مضيق هرمز أنكروا إغلاقه ومالوا إلى التفاوض، مما دفع الأميركيين لتأجيل ضرب المنشآت وإفساح المجال للتفاوض لخمسة أيام. لكن في اليوم التالي قام الإيرانيون باستهداف ست محطاتٍ كبرى للطاقة بالكويت!
حقيقة التفاوض لا تزال فيها مجالات للأخذ والرد. ترمب يؤكد والإيرانيون ينفون. أما الإسرائيليون فيحددون يوم التاسع من الشهر القادم أجلاً لوقف إطلاق النار. ومع أن الإيرانيين ينفون التفاصيل التي يذكرها الرئيس الأميركي؛ فإنهم ما ترددوا في نشر أخبارٍ عن شروطهم للتفاوض، ومن ضمنها أن يشمل وقف إطلاق النار تنظيم الحزب المسلَّح بلبنان «حزب الله»، بينما يصر الإسرائيليون على القتال من أجل إنشاء منطقةٍ عازلةٍ في جنوب نهر الليطاني عرضها عشرة كيلومترات، وهي المنطقة التي كان الجيش اللبناني بعد عامٍ من القرارات والإجراءات قد زعم أنه أخلاها من سلاح الحزب وأنفاقه وعناصره، في حين تتمُّ معظم هجماته على قرى الحدود والدواخل الآن منها!
الهجوم الإيراني الكبير على دول الخليج والأردن والعراق والذي فاق في حدته وحدوده الهجمات على إسرائيل لا يزال مجهول الأسباب، ولا علاقة له بالطبع بتحرير القدس والمسجد الأقصى كما زعموا دائماً. وعندما طلب الإيرانيون من إمارة رأس الخيمة الإخلاء قبل أيام، سألهم الكاتب سمير عطالله بـ«الشرق الأوسط» عن المسافة بين الإمارة المعنية والقدس! وإعلام الإيرانيين وأنصارهم بيننا من الشامتين الحمقى والإسلامويين يزعمون أنها ضغوطٌ على مصادر الطاقة لدفع الأميركيين لوقف إطلاق النار كما يريدون التفاوض لفتح مضيق هرمز. في حين يصر الإيرانيون، كاذبين، أن غاراتهم على دول الخليج إنما هي ضدّ القواعد الأميركية وحسب!
لكل حربٍ نهاية وهي ما دون الضربة القاضية غير المتاحة غالباً تصبح حرب استنزافٍ مثل الحرب الروسية – الأوكرانية. وما زعمه كلاوزفيتز، الخبير العسكري الألماني البارز، من أن الحرب استمرار للسياسة غير دقيق، فالحرب انقطاع للسياسة، ولا عودة للسياسة إلا بوقف الحرب واللجوء إلى التفاوض. وفي الغالب أيضاً لا جدوى للتفاوض تحت النار إلاّ عندما يكون أحد الطرفين ضعيفاً مثلما كان يحدث في حروب الحزب المسلَّح من لبنان على إسرائيل بطلب من إيران فينجح التفاوض بالوساطات ويعلن الحزب الانتصار (الإلهي وليس الإنساني!) ثم يعود الحبل على الجرار عندما ترتئي جمهورية ولاية الفقيه حاجةً لذلك، ويكون الحزب اللبناني قد جمع بعض القوى والصواريخ. والمشكلة الإضافية هذه المرة أن الإسرائيلي هجَّر مليوناً وزيادة، وأنه أعلن عن هدم اثنين وعشرين قرية لاستحداث المنطقة العازلة. ولو لم يكن الحزب متضايقاً رغم كثرة صواريخه لما طمأنته إيران إلى أنها ستصر على وقف الحرب عليه أيضاً إذا جرى التفاوض مع الولايات المتحدة!
السؤال إذن ليس عن نهاية الحرب فقط؛ بل وعن اليوم التالي: كيف ستكون الحالة في بلدان الاختراق الإيراني مثل لبنان والعراق؟ والأهمّ مصائر العلائق التي انقطعت بين إيران المعتدية ودول الخليج المستهدَفة؟ اعتقد الإيرانيون أن الدول أو بعضها ستتصدّع تحت وطأة عدوانيتهم، لكن ثبت أنهم كانوا مستعدين وأنهم ما تأثروا، وهم أقدر من إيران على الصبر على عدم تصدير الطاقة بترولاً وغازاً. بيد أنّ السؤال أبعد من ذلك. فقد بذلت دول الخليج بالذات جهوداً جبارةً طوال عقدين ونيف من أجل علاقاتٍ منتظمةٍ مع إيران. وخلال ذلك اكتشفت الدول عشرات الخلايا النائمة من إيران ومن «حزب الله»، وفي الكويت منذ الثمانينات وفي السعودية منذ التسعينات وفي الإمارات في كل حين. وطوال سنوات سلّطت إيران الحوثيين على الدول القريبة والبعيدة لضرب المرافق البترولية والمدن. وكما هو معروف انعقد عام 2020 اتفاق للمهادنة بين السعودية وإيران بالصين. وأعلن العُمانيون دائماً عن صداقتهم لإيران وتوسطوا بينها وبين الولايات المتحدة. وعندما كانت إيران تضربهم بالدقم وبصلالة، كان وزير الخارجية العماني يعلن أن الحرب على إيران ظالمة. ويعمل في دولة الإمارات وحدها نحو المليون إيراني.
العالم كله محتاج إلى استقرار دول الخليج التي يعمل فيها أربعون مليون إنسان من سائر أنحاء العالم. بينما لا فائدة للعالم من وراء إيران إذ لا تملك غير حدودٍ دموية!
الاحتمالات تتعدد بعد الحرب، لكن إيران ضعيفة، ودول الخليج منيعة، وعواقب الاضطراب على لبنان والعراق!
