إياد أبو شقرا
صحافي وباحث لبناني، تلقى تعليمه العالي في الجامعة الأميركية في بيروت (لبنان)، وجامعة لندن (بريطانيا). عمل مع «الشرق الأوسط» منذ أواخر عقد السبعينات وحتى اليوم، وتدرج في عدد من المواقع والمسؤوليات؛ بينها كبير المحررين، ومدير التحرير، ورئيس وحدة الأبحاث، وسكرتير هيئة التحرير.
TT

هل يعيش لبنان الآن فرصته الأخيرة؟

استمع إلى المقالة

في الأسبوع الفائت، كتبت الزميلة العزيزة هبة نصر، مراسلة قناة «الشرق نيوز» في واشنطن، بألمٍ في حسابها على منصة «إكس»، عن انحسار ظل الدولة اللبنانية عن قريتها في الجنوب اللبناني إثر انسحاب الجيش أمام زحف العدوان الإسرائيلي الجديد.

هبة كتبت عن قريتها الوادعة التي يحتضنها وادي التيم وتستظل شموخ جبل الشيخ: «الدولة بمظهرها الذي تعشّمنا به لنبني أحلاماً... تغادرنا اليوم! ‏

ثقيلة علينا أن نُترك عقوداً، ولا يُعثر علينا إلا في نشرات الأخبار جزءاً من صراع لم نختره...

عسانا نعود...

عساه كابوساً ينتهي قريباً...».

لكن بمعزل عن معاناة أهل الأرض وآلامهم تتفاوت مواقف اللبنانيين بين لوم الماضي والتخوّف من المستقبل. فجزء منهم يريحه التعامل مع الماضي الذي خبِره جيداً لعقود، ولذا يُدين الحصيلة التراكمية لتغييب الدولة، وملء الفراغ برهانات إقليمية كان «حزب الله» فيها «حصان طروادة» الإيراني.

هذا الجزء من اللبنانيين أدان دائماً ولا يزال مغامرات غير مسؤولة، تخوضها قوةٌ مسلحةٌ محسوبةٌ عقائدياً وتنظيمياً على الخارج، ولا تقرّ بالاختلال الهائل في ميزان القوى. وبناءً عليه، وفق رأي هذا الجزء، أمّنت هذه القوة - أي «حزب الله» - «المسوّغ» لغلاة التطرّف الإسرائيلي أن يترجموا على الأرض كل أطماعهم التاريخية التلمودية، وتصويرها «دفاعاً عن النفس» مشروعاً... ثم الذهاب بعيداً في عمليات «الأرض المحروقة» تمهيداً للاستيلاء عليها واستيطانها.

هذا، بالضبط، ما حدث ويحدث في ما تبقى من فلسطين، وما هو حاصل الآن في لبنان، وما هو موعودة بها مناطق أخرى من مشرقنا العربي.

في المقابل، يرى جزء ثانٍ من اللبنانيين أن ظاهرة «حزب الله» - كحالة سياسية لبنانية - وإن سهّلت مهمة «ماكينة البروباغاندا» الإسرائيلية في تبرير الاعتداءات والاحتلالات والتوسعية، فهي لم تكن المتسبب بها.

ومن ثم، يشعر هؤلاء أن «حصر» كل معاناة لبنان بتصرّفات «حزب الله»، ينطوي على إنكار لواقع الحال، ناهيك من تجاهل لحقائق التاريخ. ويشيرون إلى أن «حزب الله»، كظاهرة «سياسية - عسكرية»، لم يكُن موجوداً على الساحة اللبنانية قبل الاحتلال الإسرائيلي عام 1982. وفي المقابل، فإن «المشروع الصهيوني» أبصر النور في مدينة بازل السويسرية عام 1897، وبُوشر بتنفيذه فعلياً مع «إعلان بلفور» عام 1917. وانطلق التنفيذ على الأرض، تمويلاً ورعايةً وتواطؤاً وعسكرةً، خلال العقود التالي حتى قيام «دولة إسرائيل» في ربيع 1948.

ثم لئن كان كثيرون يؤمنون بأن «السذاجة» العربية عام 1948، ثم عام 1956، ثم عام 1967، كانت السبب المباشر وراء تنامي رقعة إسرائيل وتوسّعها، فإن هؤلاء - وغيرهم - يُنكرون حقائق مهمة ماثلة أمامنا، أهمها أن هذا الكيان لم يكن في يوم من الأيام وحيداً أو معزولاً. ذلك أن إسرائيل، حتى قبل أن تصبح دولة قوية تتسابق دول العالم على الاعتراف بها، كانت جزءاً لا يتجزأ من القوى المتحكّمة بالعالم. وهذه، كلّ بدورها، وفّرت لها كل مقوّمات الحياة والازدهار، من التسهيلات المالية، والترسانات العسكرية، مروراً بالدعم السياسي المطلق، واليوم أعظم ذخيرة تكنولوجية عرفتها البشرية.

ولعل هذا الواقع هو ما جعل بنيامين نتنياهو، خلال الأيام الأخيرة، يتخلّى عن عادة ادعاء «المظلومية» - التي أتقنها أكثر من كل سابقيه - ليتباهى بغطرسة عجيبة أن «إسرائيل صارت الآن قوة إقليمية كبرى، وهي في طريقها لأن تغدو قوة عالمية كبرى في أعقاب القضاء على تركيا بعد أن تنتهي من إيران...».

هذا كلام لم يسبق لأحد منّا أن سمعه من زعيم إسرائيلي من قبل، لكنه مفهوم، لجملة أسباب أبرزها:

اطمئنان نتنياهو إلى نجاح «اللوبيات» الإسرائيلية على امتداد العالم في السيطرة على آليات القرار السياسي. ولئن كان دور «اللوبيات» الأميركية مثل «أيباك» معروف منذ زمن بعيد، فإن اللوبيات الناشطة داخل أكبر أحزاب السلطة في أوروبا ليست أقل نجاحاً. بل حتى في كندا وأستراليا، اللتين لا يحكمهما اليمين، نجد رئيسي حكومتيهما - من يسار الوسط - يعودان صاغرين لتوسّل رضا نتنياهو بعد كل صحوة ضمير قصيرة.

أيضاً، ارتياح نتنياهو إلى أن اليمين المتطرف التوسّعي بات حقاً يمثل الغالبية في الشارع الإسرائيلي، وهو يدعم التوسّع والمجازر والاحتلالات في كل مكان يبلغه جيشه. والدليل واضح الآن في كل من الضفة الغربية ولبنان، بعد ما شهده العالم من فظائع غزة.

أيضاً وأيضاً، رئيس الوزراء الإسرائيلي متأكد الآن بأن لا معوّقات دولية وإقليمية لتنفيذ طموحاته. فالبوصلة ضائعة على غير صعيد، وما كان في الماضي «مركزية» القضية الفلسطينية تبخّر.

وأخيراً، تحتكر «ماكينة» الاحتلال والضم الإسرائيلية اليوم أرقى تقنيات الذكاء الاصطناعي، وكل ما يتبعها - معلوماتياً وقتالياً - من إمكانات الرصد والمسح والتخزين والتحليل السايبرانية، ناهيك من الآفاق المستقبلية في مجالات العلوم التطبيقية الأخرى، بما فيها الطب وعلم الوراثة وعلم الأوبئة والجراثيم.

بناءً عليه، ما عاد غريباً أن يشعر نتنياهو بفائض القوة، ويعبّر عنه بغطرسة غير مسبوقة. كيف لا ونحن الآن نسمع حتى ممّن كانوا يزعمون أنه خصوم له ومناوئون، مثل بيني غانتس ويائير لبيد، طروحات لا تقل تطرّفاً وصلفاً عن طروحاته.