دخل العراق منذ الانتخابات النيابية عام 2010 منعطفاً سياسياً خطيراً ما زالت آثاره مستمرة؛ ولتفسير ذلك لا بد من العودة إلى ما سبق الانتخابات من أحداث وتحولات.
شهد العراق بعد عام 2003 موجة من الطائفية والعنف والإرهاب حصدت أرواح الأبرياء وعمَّقت الانقسام بين أبنائه؛ لذلك تطلع العراقيون إلى انتخابات 2010 بوصفها محطة مفصلية يمكن أن تفتح الباب أمام تغيير حقيقي نحو دولة المواطنة والمؤسسات بعيداً عن الاصطفافات الضيقة.
تشكّلت القائمة العراقية كمشروع وطني جامع ضمّ شخصيات من مختلف أطياف الشعب، وطرحت برنامجاً عابراً للطائفية لبناء دولة تقوم على الشراكة الحقيقية وسيادة القانون، لقد مثلت القائمة العراقية آنذاك أملاً لشرائح واسعة من العراقيين الذين أرادوا الخروج من منطق المحاصصة والانقسام.
غير أن الطريق إلى الانتخابات لم يكن سهلاً؛ إذ تعرضت القائمة العراقية لاجتثاث مُسيَّس وحملات تشويه وعمليات قتل وترهيب واعتقالات طالت بعض قياداتها، ورغم كل ذلك أصر الناخب العراقي على التعبير عن إرادته، فجاءت النتائج لتمنح القائمة العراقية 91 مقعداً لتكون الكتلة الفائزة بأعلى عدد من المقاعد في مجلس النواب.
كان المنطق الديمقراطي يقضي بأن تتولى الكتلة الفائزة بأكبر عدد من المقاعد تشكيل الحكومة؛ انسجاماً مع إرادة الناخبين ووفق المادة 76 من الدستور، آملين بتشكيل حكومة وطنية مدنية تنهي سنوات الانقسام.
لكن هنا برز خلاف حول تفسير مفهوم الكتلة الأكبر؛ إذ اعتبر آنذاك أن الكتلة الأكبر التي تتشكل داخل البرلمان بعد الانتخابات عبر التحالفات، لا القائمة الفائزة؛ ما نقل مركز الثقل من صناديق الاقتراع إلى أروقة التفاهمات السياسية.
وقبل حسم هذا التفسير شهدت الساحة السياسية مفاوضات ومحاولات لإعادة ترتيب المشهد وعُرض على القائمة العراقية تولي مناصب مهمة، من بينها رئاسة الجمهورية وعدد من الوزارات مقابل التنازل عن حقها في ترشيح رئيس مجلس الوزراء، فرفضت القائمة مقايضة هذا الاستحقاق بأي منصب آخر تمسكاً بحقها الدستوري والتزاماً منها بالمشروع الوطني واحتراماً لإرادة الناخبين.
استمرت المفاوضات من فبراير (شباط) إلى أكتوبر (تشرين الأول) 2010 وفي خضمها برزت تدخلات إقليمية ودولية واضحة، حيث تلاقت مصالح أطراف نافذة واصطفت الإدارة الأميركية آنذاك برئاسة باراك أوباما ونائبه جو بايدن مع إيران في دعم مسار سياسي لم يفض إلى تمكين الكتلة الفائزة من ممارسة حقها الدستوري في تشكيل الحكومة.
جاء ذلك في ظل الاتفاق الذي جرى في عهد إدارة باراك أوباما للتفاهم مع طهران حول ملفها النووي ورفع العقوبات عنها مقابل دعم جهات داخل العراق قريبة من إيران في التعامل على حساب الاستحقاق الانتخابي؛ الأمر الذي أسهم في الالتفاف على إرادة الناخب وسلب حق الكتلة الفائزة في تشكيل الحكومة.
ولعل ما تدفع ثمنه المنطقة اليوم من أزمات وحروب يؤكد أن بناء الاستقرار على صفقات مؤقتة وتفاهمات ظرفية يفضي إلى أزمات متجددة وتصعيد مستمر لا يمكن أن يصنع سلاماً دائماً، بل يترك أزمات مؤجلة سرعان ما تعود للظهور بأشكال أكثر تعقيداً.
في اتصال مع الرئيس أوباما حينها، ناقشت سبب منع القائمة العراقية من تشكيل الحكومة، وأكدت موقفنا الثابت والتزامنا بحقنا الانتخابي والدستوري، كما حضر السفير الأميركي أحد الاجتماعات لتوضيح الموقف، لكن الموقف لم يتغير، واستمر الدعم لمسار يعيق تمكين الكتلة الفائزة من تشكيل الحكومة.
وفي السياق نفسه وخلال لقائي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يوليو (تموز) 2010، وجواباً عن سؤاله لماذا لا أزور إيران؟ أكدت أن منصب رئيس الوزراء يُمنح ضمن حق كتلة فائزة وبإرادة الشعب عبر الانتخابات، لا عبر زيارات للدول الأخرى.
وأخيراً، أستذكر اتصالاً مع الأمير صباح الأحمد أمير دولة الكويت، دار حديث حول تطورات المشهد السياسي في العراق، وقد أشار إلى مسألة زيارة إيران في إطار البحث عن مخارج للأزمة فكان موقفي واضحاً لا يمكن أن أزور دولة من أجل أي منصب هو أصلاً استحقاق دستوري نابع من إرادة الناخبين.
وهكذا لم يُكتب للقائمة العراقية التي منحتها الجماهير ثقتها أن تشكل الحكومة رغم فوزها الصريح. إن ما جرى في 2010 لم يكن مجرد خلاف على تفسير نص دستوري، بل كان نقطة تحول عطلت مسار الانتقال الديمقراطي، فمنذ تلك اللحظة بدأ المواطن يشعر بأن صوته يمكن أن يعاد تفسيره أو الالتفاف عليه وأن نتائج الانتخابات ليست بالضرورة هي التي تحدد شكل السلطة التنفيذية.
مرحلة ما بعد 2010 أسست مساراً اتسم بتركيز السلطة وتصاعد الاستقطاب السياسي والطائفي وإضعاف دولة المواطنة الجامعة؛ ما جعل البيئة هشة فاستغلتها الجماعات المتطرفة مستفيدة من الانقسامات الداخلية والصراعات الإقليمية وتأثيراتها على الساحة العراقية.
انعكس ذلك لاحقاً بتراجع الثقة بالعملية السياسية وارتفاع العزوف عن المشاركة في الانتخابات، وشكَّل ذلك التفسير سابقة فتحت الباب أمام أزمات متلاحقة تعمق معها الانقسام وضعف الأداء الحكومي وتنامى الفساد، وشهد العراق انهيارات أمنية، أبرزها سقوط مدن بيد تنظيم «داعش» وكوارث إنسانية وأمنية جسيمة.
لا يمكن اختزال الأحداث بسبب واحد، لكن التفسير الملتبس لنص دستوري أساسي أسهم في إضعاف الديمقراطية الناشئة، التي تقوم على احترام نتائج الانتخابات وصون إرادة الناخبين والالتزام بنص الدستور وروحه.
اليوم، وفي ضوء ما طرحه رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان حول المعنى الدستوري للكتلة الأكبر يتضح أن المراجعة أصبحت ضرورية لذلك المسار، فإعادة النقاش إلى أصوله الدستورية تمثل خطوة مهمة لتصحيح الأخطاء التي رافقت التجربة السياسية في تلك المرحلة.
إن استعادة ثقة العراقيين بالعملية السياسية تتطلب مراجعة صريحة للماضي واعترافاً بأن الالتفاف على إرادة الناخب يهدد الديمقراطية، كما تتطلب إصلاحاً دستورياً واضحاً يزيل أي لبس في تفسير المواد المتعلقة بتكليف الكتلة الأكبر لمنع تكرار التجربة.
آن الأوان لإعادة الاعتبار لصوت المواطن وترسيخ مبدأ أن الكتلة الفائزة هي صاحبة الحق الأول في تشكيل الحكومة وأن أي تفسير يخالف هذا المعنى يضعف الثقة ويعمق الانقسام.
إن العراق يستحق نظاماً سياسياً يعبر بصدق عن إرادة شعبه ويحمي دستوره من التأويلات السياسية ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والسيادة والديمقراطية الحقيقية.
* رئيس وزراء العراق الأسبق رئيس ائتلاف الوطنية
