إيرانُ بلادُ فارسَ التاريخية، كيان أعطى كثيراً للإنسانية؛ العلم والفلسفة والشعر وعلم الفلك. احتضنتِ الإسلامَ مبكراً وأسهمت في بناء الحضارةِ الإسلامية. تماهَى فيها التاريخُ والجغرافيا، وكانا التوأمين اللذين كتبا وقالا وتحركا عبر القرون. تنقلت بين أنظمة سياسية، رافقها العنفُ والتسلط، ولم تغِبْ ثورات الغضب الشعبي.
قفزَ هذا البلد الغنيُّ فوق حواجزَ سياسيةٍ متحركة عبر القرون. أحداث رَسمت خريطة إيران الجديدة، على ورقة صلبة تعلوها حروفٌ وخطوط، كُتبت بالدم وتمدَّدت فيها آمالُ النخب السياسية بكل أطيافِها وطموحاتها الوطنية، وكان لرجال الدين حضورٌ، شحنت فيه العمائم بمختلف ألوانها، قلوبَ العامة من الشعب وعقولهم، فتحوَّلت الشوارع إلى متفجرات بشرية. كان لليسار بأطيافُه المتعددة الألوان فاعلية؛ صرخ بصوت تعبوي حاد، ودفع الآلاف إلى الشوارع، لكنه رفع السلاح مرات. إيران مستنقع مسكون بالعواصف الانقلابية. من القاجاريين الذين حكموا إيران وأعادوا تركيبها إلى العائلة البهلوية التي عاقبتها القوى الغربية، بقدر ما دعمتها، إلى محمد مصدق الرجل المدجج بطموح وطني، وانتهى بمأساة هزّت البلاد.
آية الله روح الله الخميني، أعاد تشكيل طوبوغرافية الأرض والناس. رجل دين امتلك قوة الغموض المُفجِّر. من عائلة هندية شيعية، إلى بلدة خُمين بإيران. تفقَّه في المذهب الشيعي، وتنقل بين إيران وتركيا والعراق وفرنسا. قاد ثورةً أسقطت الشاه، وأسَّس نظامَ حكمٍ قلب منظومة المعتقد الشيعي الاثني عشري السياسية، التي دامت مئات القرون، والقائلة بأنْ لا حكم سياسياً شيعياً، إلا بقيادة الإمام المهدي الغائب المنتظر.
نجحَ الخميني في فرض نظريته، القائمة على أن يتولى الفقيه، ولاية الحكم في هذه الغيبة. كتب الخميني دستوراً لدولة «ثيوقراطية»، وعلى رأسها فقيه يكون مرشدها الأعلى، وله السلطة المطلقة.
مباشرة بعد الشهور الأولى لانتصار ثورة الخميني سنة 1979، اشتعلت نارٌ داخلية وأخرى خارجية. تشكَّلت محاكمُ ثوريةٌ قادها رجالُ دين، حكمت على الآلاف بالإعدام، منهم من كان قيادياً في حركة الثورة؛ بل هناك منهم من أقام مع آية الله الخميني في ملجئه بفرنسا، وتولى مناصبَ وزارية في أول حكومة شكلها الخميني. أُعدمَ العشرات من كبار الضباط. خالف الخميني بذلك ما سبق أن وعد به، عندما كان يحرض على الثورة ضد الشاه عبر أشرطة التسجيل، بتحقيق الحرية والعدالة وسيادة القانون. النار الثانية كانت اقتحام الشبابِ للسفارة الأميركية بطهران، واحتجاز المئات من الدبلوماسيين الأميركيين. بدأت رحلة العداء بين الدولتين، وانهالت مطرقة العقوبات الأميركية على إيران.
مساحة إيران مليون وستمائة ألف كم، تكتنز أعماقُها المليارات من النفط والغاز، وفوق أرضها أنهارٌ جارية بالمياه تعد بالمئات بالإضافة للروافد، بها خامات كثيرة ومتنوعة، ومنذ العصور القديمة كانت بستانَ علم في جميع المجالات. امتلكت كلَّ المؤهلات لأن تكون نمراً اقتصادياً وعلميّاً وثقافيّاً، يتفوّق على دول آسيوية، لم يتوفر لها قليل ممَّا كان لإيران فوق الأرض وفي جوفها من الثروات الطبيعية والبشرية. في آهة حارقة قالَ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: كيف تقدَّمت اليابان وتركيا اقتصادياً علينا، وهما لم تمتلكا شيئاً من الثروات الطبيعية، التي وهبها الله لنا؟ مضيفاً: «نحن نمتلك النفط والغاز لكنَّنا جائعون، ولا يمكننا أن نلقيَ اللوم على العقوبات الدولية وحدها، وتركيا إنتاجُها المحلي ضعفُ إنتاجِ إيران؛ وهما بلدان متجاوران والكثافة السكانية متساوية فيهما».
تراجع الإنتاج النفطي بقوة، و40 في المائة من الشعب الإيراني تحت خط الفقر، واستشرى الفسادُ في كل مفاصل الدولة، وسيطر «الحرس الثوري» على النشاط الاقتصادي، وامتلك السلطويون وأبناؤهم مقدراتِ البلاد.
البلاد تعاني من الجفاف الذي حرمَها المياه، وتراجع حجم المساحات الزراعية، بسبب نقص مياه الأنهار، وإقامة السدود العشوائية. نزح كثيرون من القرى والمناطق الزراعية، إلى المدن التي ازدحمت بالسكان، وتهاوت البنى التحتية. زاد عدد السكان بسرعة غير مسبوقة، واقترب من المائة مليون نسمة. مليارات الدولارات مجمَّدة في الخارج، وتستحيل إعادتُها إلى البلاد بسبب العقوبات الدولية. المفارقة المأساوية، أنَّه رغم المجاعة والبطالة والفقر، الذي ترزح فيه إيران، فقد ضخت عشراتُ المليارات إلى أذرعها المسلحة: الحوثيون في اليمن، و«حزب الله» في لبنان، وحركة «حماس» في غزة، والنظام السوري السابق، و«الحشد الشعبي» في العراق. أنفقت إيران الملياراتِ في صناعة الصواريخ وبرنامجها النووي، وخاضت حروباً مع إسرائيلَ والولايات المتحدة.
كل ذلك أصاب البلاد بالأنيميا الاقتصادية، التي أوهنت كامل الكيان الإيراني. طفح الكيل ولم يبقَ لهذا الشعب الأصيل إلا صرخة الغضب، فتدفق الآلاف إلى الشارع مطالبين بالتغيير لضبط ثروات الوطن. تساقط الآلاف قتلى في الشوارع والميادين، والتهديدات العسكرية تتزايد من بعيد وقريب، وابن الشاه يبعث برسائله للشعب الإيراني من منفاه، كما فعل الخميني يوما. ما الحل ومتى؟
هل سيتخذ المرشد الأعلى، قرار الزمن الوطني الكبير، ويراجع ما ألقاه الحكم الحالي على كاهل الشعب الإيراني، من ضنك ومعاناة ودماء؟
