واضحٌ للعيان أنَّ القواعدَ التي بُني عليها النّظام الدولي تَشهدُ تحديّاً جَسيماً في السنواتِ الأخيرة. ويعودُ ذلك بشكل رئيسي إلى التَّغير في توازناتِ القوة على الصَّعيد الدولي؛ حيث تسعى دولٌ للوصول إلى قمَّة الهرم، فيما تُحاول أخرى الحفاظَ على تفوّقها، إن لم يكن هيمنتها على الشؤون الدولية. وفي ظلّ ذلك تتسارع الأحداث بشكل أو بآخر، وفي مختلف مناطق العالم، تبعاً لأهمّية كلّ منطقة، والأولويات التي تسعى إلى تحقيقها كل دولة، أي الاستراتيجيات الكبرى للقوى الدولية.
يمكن القول في هذا السّياق، إنَّ التغيّرات الكبرى في النظام الدولي عادةً ما تأتي بعد أحداثٍ جسيمة تُشكّل نقطةَ تحولٍ محورية بالنسبة لهيكلية النظام وتوازنات القوة بداخله. وهذا ما تمَّ بالفعل خلال الحروب العالمية التي كان من نتيجتها تغيرٌ واضح في موازين القوى الدولية. فعلى سبيل المثال، تمخَّض عن الحرب العالمية الثانية تحول النظام الدولي إلى ثنائي القطبية، وبزوغ معسكرين شرقي وغربي متنافسين سيطرَا على العلاقات الدولية مدةَ خمسة عقود. لكن وجود السلاح النووي بعد ذلك أسهم خلال العقود الماضية في ضبط إيقاع التنافسِ بين القوى الدولية، لجهة عدمِ حدوث حروبٍ كبرى، على الرغم من بعض الصراعات والتوترات بينهما في فترات مختلفة من تطور النظام الدولي. لذلك أصبح التغيرُ في توازنات القوة الدولية، وما يقتضيه ذلك بالنسبة لهيكلية النظام وقواعد العمل التي يقوم عليها تتغير كما نلاحظ ببطء، وإن كان في اتجاه تعدد القوى بدلاً من الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة.
واشنطن أدركت ذلك، وبدأت تعد العدة للحفاظ على هيمنتها، وهذا ما عكسته استراتيجية الأمن القومي التي تم الإعلان عنها مؤخراً، بما تضمنته من إعادة صوغ الأولويات الوطنية، وما يقتضيه ذلك من إعادة للتموضع الأميركي حول العالم. وفي هذا الإطار يمكن فهم التطورات التي يشهدها الشرق الأوسط، وكذلك أميركا اللاتينية، وبقية مناطق العالم. وحقيقة الأمر أن القوى العظمى دائماً ما تسعى إلى تحقيق مصالحها، حتى إن تطلّب ذلك تجاوز المحاذير التي يفرضها القانون الدولي والأعراف الدولية، أخذاً بعين الاعتبار مدى الحاجة، وأهمية التحرك المطلوب من عدمه.
ففي الشرق الأوسط، كان التحرك العسكري الذي قادته إسرائيل بدعم غير محدود من واشنطن يهدف إلى إعادة رسم المشهد السياسي الإقليمي بشكل يجعل إعادة التموضع الأميركي أقل تكلفة؛ حيث جرى إضعاف محور المقاومة بمختلف مكوناته، ولا يزال العمل جارياً على استكمال ذلك. هذا يتطلب تقوية شبكة الحلفاء الإقليميين والتخلص من الأنظمة المعادية في المنطقة. ومن غير المستبعد حدوث مزيد من الأحداث في المنطقة في هذا السياق. وبالمنطق نفسه يمكن الحديث عما تم في فنزويلا؛ حيث سعت واشنطن لإعادة صوغ العلاقة من كاراكاس، بما تملكه من موارد طبيعية كبيرة. وغني عن البيان أن 80 في المائة من النفط الفنزويلي تستورده الصين مقابل 11 في المائة يذهب لواشنطن. فضلاً عن العلاقات التي تربط نظام مادورو بإيران و«حزب الله»، وهذه دول إما منافسة وإما معادية لأميركا، وكذلك يمكن الحديث عن عزم أميركا على تقليل التزامها الأمني تجاه أوروبا، مقابل التركيز على المحيط الجغرافي لواشنطن أو الشرق الأقصى؛ حيث يبدو صعود قوى دولية وازنة أمراً مؤكداً، كما الصين وروسيا والهند.
واشنطن حدّدت مسارها في مجال السياسة الخارجية، وهو تحقيق «السّلام من خلال القوة»، وهو الشعار الذي كثيراً ما ردّده الرئيس الأميركي حتى خلال حملته الانتخابية، لكن يظل الخلاف حول ما هي طبيعة السّلام الذي تسعى واشنطن لتحقيقه. رأينا سعي الرئيس الأميركي لوضع حد لعدد من النزاعات القائمة حول العالم، لكن رأينا على النقيض من ذلك ما تم في فنزويلا. في تصورنا أن ما تقوم به واشنطن يعكس حقيقةَ السياسة الدولية في أوضح صورها؛ حيث تستخدم القوة لتحقيق مصالح الدول إذا ما شعرت بأن مصالحَها أو نفوذَها أو تفوّقَها محل تهديد. ولا شك في أنَّ ذلك النهج سيكون مدعاة لبقية القوى بإعادة حساباتها، لضمان أمنها أو مصالحها بطريقة أو أخرى. وكانت الأحلاف العسكرية إحدى الوسائل التي تلجأ إليها الدول لتعزيز أمنها، بجانب تعزيز مواردها الذاتية من القوة. أمَّا التعويل على القانون الدولي والمنظمات الدولية فيبدو أنَّه رهان خاسر في كثير من الأحيان، ما لم يتعارض مع مصالح القوى الكبرى.
هذا يقودنا للخلاصة التالية: أنَّ التَّخفي خلفَ قضايا السيادة والقانون الدولي لا يحمي الدولَ الضعيفة، كما أنَّ الآيديولوجيا والشعاراتية لا تخلق دولاً قوية ذات مناعة ضد التدخل أو الغزو الخارجي. وأنَّ التدخلَ في شؤون الدول الأخرى يحمل بذورَ فنائه طالَ الزمن أم قصر، لكن ذلك لا يكون دون ثمن على هذه الدول في معظم الأحيان.
