أحمد عبد المعطي حجازي
TT

الإنتاج يتراجع... والحاجة تشتد!

استمع إلى المقالة

حين أنظر لأوضاعنا الثقافية الراهنة لا أستطيع أن أشعر بالرضا أو الراحة أو الاقتناع. ويتضاعف شعوري بالقلق وعدم الفهم حين لا أجد أحداً يتساءل، أو يعترض أو يبدي أي ملحوظة على ما يجده أو يفتقده، فكأن كل شيء على ما يرام، والسلبيات التي أراها ليست سلبيات، وعليّ في هذه الحالة أن ألجأ إلى الصمت، وأشك في صحة ما أشعر به نحو هذه الأوضاع التي أراها ولا أستطيع أن أميز فيها بين غث وسمين، فالذي يصل إليّ أو الذي أصل إليه من الإنتاج الثقافي غامض وعابر ولا يأتي من مصدر موثوق فيه، ولا يتبع مساراً واضحاً، لا يستجيب لحاجة عاجلة أو آجلة، ولا يثير من ردود الفعل ما يستدعي الحوار أو يساعد في الفهم والتفاهم.

وأنا لا أريد بالطبع أن أفرض على الإنتاج الأدبي والثقافي صورة معينة، فأنا لا أبحث عن صورة؛ بل أبحث عن مستوى. أطالب بالتنوع، وأنتظر التجديد والإضافة والنقد والمراجعة والحوار، لأن الثقافة ليست نشاط طرف واحد ساكن، وإنما هي نشاط أطراف عديدة لكل منها دوره في هذا النشاط الذي يتحرك بالضرورة، ويتطور ويتغير، يتفق ويختلف، ويتجمع ويتفرق. التراث القومي بمجموعه ومفرداته، والتراث الإنساني، والفرد والجماعة، والواقع والظروف.

هذه الأطراف المتعددة ليست ساكنة أو منفصلة بعضها عن بعض، وإنما هي متحركة تؤثر وتتأثر على النحو الذي تنتقل به كلها ونحن معها من حال لحال، فنشعر بوجودها وبما نتعرض له من تأثيراتها. وهذا ما نفتقده الآن. نفتقد الحركة التي تحمل لنا الإنتاج الثقافي وتحملنا لهذا الإنتاج الذي لا أقول إنه غير موجود، وإنما أقول إنه غير حاضر، وبالتالي غير مؤثر، أو هو مؤثر بالسلب، لأنه وإن كان موجوداً غائب مفتقد. ولأننا نعرف أنفسنا بثقافتنا القومية التي نعيش بها حاضرنا، ونتصل بماضينا، ونرسم مستقبلنا، فنحن نشعر في غيابها بالاغتراب.

***

والذي أشعر به نحو الإبداع أشعر به نحو النقد. فالنقد كما تقدمه لنا بعض الأسماء، أو كما قدمته خلال العقود الأخيرة، منفصل عن الإبداع، ومنفصل حتى عن نفسه. لا يصدر عن فكرة أصيلة، ولا يجيب عن أسئلة مطروحة، ولكنه ينقل ويترجم، ويبحث عن نفسه فيما ينقله ويترجمه فلا يجد شيئاً بالطبع؛ لا يجد النظرية، ولا يجد التطبيق الذي تخلى منذ البداية عنه.

***

وأنا الآن أعبر عن انطباعات أتعرض لها وأنا واقف على مسافة مما أتحدث عنه. مسافة لست أنا صانعها، ولست فيها راضياً أو مختاراً، وإنما أجد نفسي في مفترق هذه الطرق المتقاطعة، أو هذه الطرق التي كانت ملتقى وقد صارت مفترقاً.

ولست أشك في أن ما أبحث عنه في الإنتاج الأدبي والإنتاج الثقافي عامة موجود. وباستطاعتي أن أذكر هنا عدداً من الأسماء والأعمال التي عرفتها عن قرب، وشعرت نحوها بالتقدير والإعجاب. لكن هذه المعرفة الشخصية لا تكفيني ولا تلبي حاجتي لحركة ثقافية تجمعني بغيري، وتشعرني بوجودي وانتمائي، وهذا ما لا يتحقق في الواقع الذي غابت فيه الحركة، وأصبح فيه الإنتاج الثقافي نشاطاً فردياً ومعزولاً ومنفياً، لأن المنابر والوسائل التي تتيح له الظهور والحضور مختفية هي الأخرى. فالنقد كما ذكرت منفصل عن الإبداع، والجمهور المتلقي بعيد عن المبدعين والنقاد معاً. وفي هذا الغياب، هذا المجهول المترامي، وفي هذه الطرق المتقاطعة؛ كيف تزدهر الثقافة القومية؟ وكيف تحمي نفسها من التراجع؟ وكيف يتاح لنا أن نشعر إزاء ما نراه فيها بالرضا والاطمئنان؟

وأنا أنظر للمستقبل القريب، لأني لا أستطيع أن أنظر للمستقبل البعيد، أنظر لما يمكن أن تتطور إليه أوضاعنا الراهنة فلا أرى مخرجاً. وقد تتفاقم هذه الأوضاع أكثر مما حدث حتى الآن، ولا أرى بارقة أمل ولو من بعيد نواجه بها الأزمة ونقول لها: «اشتدي أزمة تنفرجي!»، وإلا فكيف ساد الصمت وتواصل في كل المجالات حتى في التلحين والغناء؟!

وأنا لا أتحدث عن ظاهرة مفاجئة أو محصورة في نطاق لا تتعداه فبوسعنا أن نعتبرها عابرة؛ وإنما أتحدث عن مرحلة كاملة وشاملة بدأت منذ سنوات، وتوسعت وتجاوزت الحدود فحيثما ألتفت أجدها، لأن كل الأطراف الفاعلة تبدو كأنها واقفة سداً مانعاً من الخروج، وكأن الثقافة لم تعد تعني لنا شيئاً. والغريب أننا في هذه الأيام التي يتراجع فيها الإنتاج الثقافي تشتد حاجتنا لهذا الإنتاج.

نحتاج للثقافة؛ ليس فقط لننظم القصائد ونكتب الروايات والمسرحيات، ولكن أولاً وقبل كل شيء لنبني الإنسان؛ لنخلصه من الأمية ونزوده بالعلم والوعي بذاته والكشف عن قدراته ومواهبه، وهو إنجاز لو تحقق يفوق كل إنجاز. لأن كل ما يتحقق بعده راجع إليه ومشروط بوجوده؛ الثقافة، والتنمية، ومعرفة العالم، والتعامل مع الآخرين، والعمل معهم في بناء ثقافة إنسانية رفيعة وقادرة على إنقاذ العالم من الفقر والتخلف والعنف والطغيان والعنصرية.

ومن الطبيعي أن تتعدد حاجات الإنسان، فيطلب الخبز بالطبع، ويطلب المعرفة، ويطلب الحرية، ويطلب الجمال ويبحث عنه في الشعر والنثر والتصوير والغناء.

ونحن قد نختلف في حكمنا على بعض ما يظهر من الإنتاج في هذه الفنون، فالاختلاف فيها طبيعي، لأننا نعبر فيها عن ذواتنا وأفكارنا وأذواقنا، فمن الطبيعي أن نختلف. والاختلاف في هذا المجال اجتهاد تتعدد فيه الصور، وتتجدد الأشكال، وتجوز المغامرة، فإن نجحت في الوصول إلى إبداع حقيقي كان بها، وإلا فالعجز عن الوصول إلى هذه الغاية مفهوم، والاختلاف في الحكم على الأعمال المقدمة جائز، أما الذي لا نستطيع أن نختلف حوله فهو اللغة، لغتنا الفصحى التي تتعرض في هذه الأيام لأخطار صارخة، ولا من يصحح، ولا من يحتج، ولا من يعترض. وفي هذا المناخ؛ كيف نرضى؟ وكيف نرتاح؟ وكيف نقتنع؟!