توفيق السيف
كاتب سعودي حاصل على الدكتوراه في علم السياسة. مهتم بالتنمية السياسية، والفلسفة السياسية، وتجديد الفكر الديني، وحقوق الإنسان. ألف العديد من الكتب منها: «نظرية السلطة في الفقه الشيعي»، و«حدود الديمقراطية الدينية»، و«سجالات الدين والتغيير في المجتمع السعودي»، و«عصر التحولات».
TT

الأجوبة السحرية

استمع إلى المقالة

لعل القراء الأعزاء يلاحظون معي أن غالبية الناس يتعجلون نسبة الحوادث والأسئلة إلى تفسير وحيد، مع أننا جميعاً ندرك أن كل قضية، صغيرة أو كبيرة، نتاج لسلسلة من التحولات والعوامل. وثمة - إضافة لهذا - من يميل أيضاً إلى ربط تلك الحوادث والظواهر بعوامل خفية، لا يمكن التحقق منها ولا لمسها والتحكم فيها.

هذا ميل إنساني عام. فالبشر بطبعهم ينفرون من الغموض والنهايات المفتوحة، ويريدون تفسيراً كي يتجاوزوا الحدث وأسئلته. وتدرّس هذه الظاهرة في علم النفس تحت عنوان «الإغلاق المعرفي» Cognitive closure وهو مصطلح صاغه عالم النفس الأميركي آري كروجلانسكي، لوصف موقف الإنسان الذي يواجه سؤالاً محيراً أو ظاهرة غير مفهومة، أو حتى موقفاً غير مقبول من جانب شخص آخر، فهو يريد أن يتخلص من الحيرة بإضافة وصمة أو عنوان يفسر هذا الحدث، كي ينتهي منه.

كل الناس إذن يكرهون الغموض ويريدون تفسيراً. لكن ما يلي هذه النقطة محل اختلاف كبير بين المجتمعات. فهناك من يتخذ السؤال أو الحدث المحير نقطة انطلاق للتعرف إلى موضوعه. وهناك من يتعجل بنسبة الحدث إلى قوى غيبية أو بعيدة عن متناول الإنسان، مادياً أو معرفياً.

خذ مثلاً سلوك المجتمع الأميركي، حين فوجئ بالهجوم على نيويورك عام 2001، فقد انصرف إلى القراءة حول الإسلام وحول الإرهاب. وذكر تقرير اطلعت عليه قبل سنوات أن عدد الكتب حول الإسلام والمسلمين، التي نشرت في الولايات المتحدة، خلال السنوات الثلاث التالية لذلك الحادث قد تجاوز 600، فضلاً عن مئات المقالات العلمية حول مختلف أوجه الحدث. هذا يعني أن المجتمع الأميركي يميل بقوة لفهم المشكلات التي تواجهه، فهماً علمياً. لا أريد القول إن كل أميركي يفعل هذا، لكنني أشير إلى وصف عام مقارن.

السلوك المقابل هو إغلاق السؤال بنسبته إلى قوى بعيدة عن متناول الإنسان. خذ مثلاً النقاشات التي دارت بعد السيول الغزيرة التي شهدتها الإمارات وعمان وأفغانستان وإيران في أبريل (نيسان) الماضي. فقد قطع بعضهم بأنها نتيجة الاستمطار الصناعي، وادعى آخرون أنها عقوبة للناس على ما ارتكبوه من آثام. وعلى النقيض من هذا، اعتبرها فريق ثالث تمهيداً للوعد النبوي بتحول الجزيرة العربية إلى مروج وأنهار.

هذا النوع من التفسيرات يصدر عن قناعة مسبقة، فحواها أن كل ما جرى وسيجري له تفسير مختزن في الثقافة الموروثة. ولهذا فكل الأجوبة تأتي على النسق المعتاد، وتنتهي بإقرار أن الأشخاص الذين واجهوا الحدث، لا يحتاجون للمزيد من البحث والتفكير في ما وراء ذلك التفسير الجاهز.

أود استعارة وصف «الثقافة المتصلبة» الذي أطلقه منقذ داغر على الميل الذي شرحته آنفاً، أي الاعتقاد بأن كل الإجابات مختزنة في الثقافة السائدة، وأن ما فيها يكفي لتفسير كل جديد.

حين يتأكد هذا الاعتقاد في نفسك، فلن تفكر في احتمالات أخرى ربما تختفي وراء الحدث أو الظاهرة التي شهدتها. ومن هنا فإن هذا الشيء الغريب لن يلعب دور المحفز لعقلك كي يفكر ويتأمل ما حوله. الواقع أن هذا ما حدث تكراراً في المجتمع العربي. فحين تعرفوا إلى الراديو، قرروا فوراً أنه «صندوق فيه جني». ويوم رأوا البوصلة، قرروا أنها عمل سحري.

بعبارة أخرى فإن التعجل بنسبة الحدث الجديد إلى قوى ماورائية، بل حتى نسبته إلى المؤامرة أو ما يسمى بالدولة العميقة، تلعب كلها دور الحاجب الذي يمنع عقل الإنسان من رؤية الإمكانات البحثية، التأملية أو التجريبية، التي ينطوي عليها ذلك الحدث أو السؤال.

أريد الخروج بنتيجة محددة، هي دعوة القراء الأعزاء إلى عدم التعجل بتفسير الأشياء الجديدة أو نسبتها إلى قوى بعيدة المنال. تحملوا قليلاً ودعوها سؤالاً مفتوحاً، فقد تجدون الجواب وقد لا تجدون، لكنكم بالتأكيد ستربحون ثمرة التفكير.