د. ياسر عبد العزيز
TT

ضحايا الإعلام العالمي في حربين

استمع إلى المقالة

عندما تقرأ هذا العنوان، فإن أول ما سيتبادر إلى ذهنك هو الارتفاع المُطرد في عدد الصحافيين والإعلاميين الذين لقوا حتفهم، أو أصيبوا، في حربي أوكرانيا وغزة؛ إذ إن هذا العدد بلغ ذُرى قياسية بكل تأكيد، كما أن العدّاد ما زال يجري، من دون أفق واضح للتوقف.

لقد ظلت الحرب الروسية - الأوكرانية تحتل مكانة بارزة بين الحروب والنزاعات التي تمخضت عن أكبر عدد من القتلى من الصحافيين، في السنوات الأخيرة، حتى جاءت حرب غزة وأزاحتها عن الصدارة، حيث باتت الأنباء عن مقتل صحافي أو إصابته، جزءاً مُعتاداً من يوميات هذه الحرب.

عشرات من الصحافيين والإعلاميين قَضَوْا، أو جُرحوا، أو استُهدفوا، وقُيِّد عملهم، خلال هاتين الحربين، ورغم الإدانات الحادة والشكاوى والتنديد المُتصاعد، فإن بيئة الصراع ما زالت تشكل أكبر خطورة على العمل الصحافي وأفراده.

ومع ذلك، فإن ثمة ضحيتين مختلفتين لهاتين الحربين، سيكون للأضرار التي لحقت بهما أثر كبير؛ هما الموضوعية والحياد.

ففي الحرب الروسية - الأوكرانية، لم تكن معظم المقاربات الإعلامية الروسية من جانب، والأوكرانية والغربية من جانب آخر، سوى تأكيد واضح على أن الطرفين المتصارعين قررا تحويل التغطيات الإعلامية إلى أدوات دعاية مباشرة. وقد شمل هذا كل مراحل العمل الإعلامي، بدءاً من اختيار القصص، ومروراً بالمعالجة الغارقة في الانحياز، وانتهاءً بالتحكم المُقيد في منافذ التوزيع.

أما في حرب غزة، فقد بدا أن عدداً كبيراً من الأطراف المنخرطة في هذا الصراع الدامي، أو أصحاب المصلحة، أو المتعاطفين والمؤيدين، ينظرون إلى الأحداث من زوايا محددة تعكس مواقف معينة، وتنطلق من بِنى آيديولوجية أو دينية، أو تجارب تاريخية وإنسانية، وربما أيضاً من مصالح عملية.

ولذلك، فإن رؤى الأطراف تتصادم، والأخطر أن كل طرف منها يعتقد أن ما يراه هو الصواب والحق والعدل، وأن من يتناول الموضوع بأي منطق مخالف أو متباين إنما هو «خائن»، أو «عميل»، أو «غير مهني» في أفضل الأحوال.

إن هذا الصراع الذي تختلط فيه الدعاوى الدينية والتاريخية، وتتراكم فيه الثارات والأحقاد، يعد محكّاً صعباً وحساساً لقياس مهنية وسائل الإعلام، وعنده تخفق مؤسسات كبرى كثيراً في تلبية الاشتراطات المهنية والتزام المعايير، وتزداد قابليتها لتلقي الضغوط.

لا يتوقّف الجدل، ولا تنقطع الأسئلة عن مهنية وسائل الإعلام الغربية أو الشرقية في تغطية وقائع الحرب في غزة، ومعها أيضاً طوفان من الاتهامات التي توجه لعديد الوسائل الإعلامية والكتاب والمحللين، لأن كثيرين من ذوي الصلة وأفراد الجمهور العادي يريدون أن يسمعوا ويروا شيئاً محدداً، يؤمنون تماماً بأنه الصواب، ويعتقدون أن كل ما عداه يجب أن يُحظر ويُدان.

ستضغط تلك الاعتبارات بقوة على أصحاب القرار في غرف الأخبار، وسيكون فصيل محدود بينهم قادراً على أن يذيع كل ما يصله من أخبار، وأن ينقل كل ما ورده من انطباعات، وأن يطرح كل ما لديه من هواجس، وستكون هناك تكلفة لبعض ما سيُنشر وسيُذاع.

كثيراً ما تجدد الجدل في المجال الإعلامي حول معنى الحياد، وما إذا كان «خرافة» أو «قيمة تستحق أن نعمل من أجلها»، وفي مثل تلك الحروب الشرسة، لا يسأل كثيرون عن وجود تلك القيمة في التغطيات والإفادات والصور والفيديوهات، بقدر ما يهيمن السؤال عن مواقف أصحابها، ومدى دعمهم طرفاً ما، وشيطنتهم الطرف الآخر، وسيحدث هذا باطراد لدينا في الشرق «المُقيد»، كما في الغرب «المنفتح والشفاف».

سيتكرّس الجدل حول الموضوعية والحياد الإعلامي في مواكبة الحرب الملتهبة، وسيتخذ شكلاً صدامياً أحياناً، إلى حد يرى البعض فيه أن «الحياد خيانة»، وأن الموضوعية «وهم»، بينما يرى آخرون أن التخلي عن هاتين القيمتين المهنيتين يمكن أن يحوّل الأخبار إلى مجموعة من التشنجات والأكاذيب والتصورات الذهنية المتصادمة والمتحاربة.

الموضوعية والحياد في العمل الإعلامي الإخباري يوجبان وقوف الصحافي أو الوسيلة الإعلامية على مسافة متساوية من جميع أطراف الحدث، مع إتاحة الفرص المناسبة لتلك الأطراف، أو من يمثلها للتعبير عن مواقفها، دون التورط بتأييد أو معارضة أي من تلك المواقف، مع العرض الأمين الوافي للسياق والخلفيات. فمن يملك هذا «الترف» في تلك الأجواء؟!

لقد كشفت حربا أوكرانيا وغزة أن الإعلام العالمي يُعاني هشاشة تغلبه في أوقات الصراع، وتلك الهشاشة، والقابلية الكبيرة للانحياز، تُغريان بقيمتين أساسيتين في العمل الصحافي؛ أي الموضوعية والحياد، وتجوران عليهما كثيراً.