فايز سارة
كاتب وسياسي سوري. مقيم في لندن. عمل في الصحافة منذ أواسط السبعينات، وشارك في تأسيس وإدارة عدد من المؤسسات الإعلامية، وكتب في كثير من الصحف والمجلات، ونشر دراسات ومؤلفات في موضوعات سورية وعربية. وساهم في تأسيس العديد من التجارب السياسية والمدنية.
TT

ترحيل السوريين من تركيا: مسار ملتبس ونتائج عند الكارثة

استمع إلى المقالة

يتواصل ترحيل سوريين من تركيا باتجاه مناطق السيطرة التركية في شمال غربي سوريا، والتي تدار من جانب جماعات موالية لتركيا، أبرزها «الحكومة السورية المؤقتة» التابعة لـ«الائتلاف الوطني» وفصائل «الجيش الوطني»، وإلى جانبهما «هيئة تحرير الشام» التي يقودها رجل «القاعدة» أبو محمد الجولاني، وحكومة الإنقاذ التابعة لها.

عمليات الترحيل الجارية، شملت عشرات آلاف الأشخاص في الأشهر الثلاثة الأخيرة، قدَّرتهم مصادر الحكومة التركية بـ36 ألفاً، وأغلب المرحَّلين من الشباب الذين تلتقطهم دوريات الشرطة على الطرق وفي الساحات، أو خلال مداهمات لبيوت سوريين، وأماكن العمل، سورية كانت أو تركية، والحجة مخالفة قواعد الوجود الشرعي في تركيا؛ سواء أنهم لا يملكون أوراقاً رسمية، أو أنهم لا يحملونها، وغالباً ما يتم التوقيف وسط حالة ترهيب شديد وتنمر؛ خاصة إذا كان الموقوف لا يتكلم التركية.

وتحيط بمسار العملية التركية أخطاء كثيرة ومؤكدة، أولها أنها مخالفة للقانون الدولي الذي يمنع إعادة اللاجئ (أياً كان شكل دخوله البلاد) إلى مكان غير المكان الذي جاء منه، كما يمنع ترحيل اللاجئين إلى أماكن غير آمنة، والسلطات التركية تعرف أكثر من أي طرف آخر أن أغلب المرحَّلين ليسوا من الأماكن التي يرحَّلون إليها في شمال غربي سوريا، وهي تعرف أن تلك المناطق ليست آمنة؛ حيث تعيث فيها فساداً ميليشيات أمراء الحرب من جهة، وميليشيات رجل «القاعدة» زعيم «هيئة تحرير الشام»، الجولاني، وتحصل عمليات الاغتيال والتفجيرات والاختفاء القسري بصورة علنية؛ بل إن الوضع في تلك المناطق لا يوفر فرص الحياة للمقيمين فيها، فكيف ستكون حال الذين يتم رميهم فيه بصورة عشوائية.

الخطأ الثاني في عمليات الترحيل، أنها لا تتم وفق القانون، رغم أن تركيا بلد محكوم بالقانون، ويفترض أن يطبق القانون على الموجودين فيه، أياً كانوا مواطنين أو مقيمين، أو مجرد مارين أو موجودين بصورة غير شرعية. ويتطلب الترحيل -وخصوصاً الفجائي والكيفي- ضرورة التأكد من ضروراته ومتمماته، وخصوصاً أهلية مكانه أولاً، وهذا يحتاج إلى محكمة تؤكد قانونية الإجراء، ويفترض أن ترى المحكمة وتقرر إذا كان الإجراء يلحق أضراراً بمصالح الشخص، أو أي أشخاص آخرين، أو بمصالح الدولة التركية، لا أن يترك القرار -كما يتم عملياً- بيد أداة تنفيذية من رجال الشرطة.

الأهم في الأخطاء التي تخلفها عمليات الترحيل من آثار وتداعيات سلبية في صفوف السوريين من جهة، وفي صفوف الأتراك من جهة ثانية؛ ذلك أن عمليات الترحيل بالصورة التي تجري فيها، إنما تثير الفزع في صفوف السوريين، وتشوش حالة الأمان والاستقرار التي عملوا على تحقيقها في سنوات وجودهم التي مرت في تركيا، وأغلبهم بدأ حياته من صفر اللاجئين، فأسس بيتاً وعملاً، وتعلم التركية، وذهب أولاده إلى المدارس والجامعات، أو انخرطوا في مجالات العمل. والترحيل الكيفي والعشوائي إذا طال رب الأسرة وأولاده، يهدد كل ما تم بناؤه بحرص وتضحيات، مما يجعل كثيراً من السوريين يتوقفون أمام فكرة استمرار وجودهم في تركيا بعد سنوات من وجودهم فيها، ويحتارون إلى أين يذهبون في ظل خيارات صعبة ومحدودة.

إن أخطار الأخطاء في عمليات الترحيل أقل بكثير مما تتركه من أثر في أقوال وأحاسيس نشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي، مرفقة بصور وحوادث وقصص، تغذي أحاسيس البغضاء والعداء والعنصرية ضد الأتراك، في وقت يحتاج فيه السوريون والأتراك على السواء إلى تنمية مشاعر المودة والتآخي والتعاون، حالياً وفي المستقبل، باعتبارهم من بلدين متجاورين، بينهما كثير من الروابط، وفي ظل واقع أن 3 ملايين ونصف مليون سوري يعيشون في تركيا حالياً.

وللحق، فإن أثر عمليات الترحيل بمجرياتها الحالية على الأتراك سيئ أيضاً؛ إذ ينعكس سلباً على صورة الدولة التركية في تعاملها مع اللاجئين، بخلاف مضامين القانون الدولي، ويسيء إلى تركيا بوصفها بلداً فيه قانون وقضاء، يتم تجاوزها دون مبرر مقبول، وسط تصريحات رسمية تؤكد حرص السلطات التركية على توفير كل مستلزمات عيش اللاجئين السوريين بصورة طبيعية.

وثمة أثر لا بد من ملاحظته في واقع الأتراك، أساسه أن عمليات الترحيل تساعد في تنمية المواقف العنصرية التي تصاعدت في السنوات الأخيرة ضد السوريين وضد العرب عموماً، وهذا باستثناء أنه يسيء للأتراك، فإنه يؤثر سلباً على علاقات تركيا العربية، في وقت سعت فيه الحكومة التركية خلال العام الماضي إلى تصفير مشكلاتها، واستعادة علاقاتها العربية، بما فيها التي كانت مأزومة طوال سنوات مضت.

خلاصة القول في موضوع ترحيل السوريين من تركيا، أن ثمة ضرورة للتوقف عنده بصورة عاجلة، وأن يوضع في إطار يتجاوز راهنية الظرف السوري، وأن يكون محكوماً بأفق علاقات الجوار والعلاقات الأخوية بين الشعبين، وإطار التعاون المشترك المستقبلي بين البلدين، كما أنه بحاجة إلى تدقيق أكثر في بيئته ومجرياته، وبحاجة إلى أن يكون في إطار قانوني في البعدين الإنساني والتركي، وكل ذلك سيساهم في حصار تداعياته السلبية على العرب والأتراك، ووقف الترديات في العلاقات التركية السورية، الآن وفي المستقبل.