تتوالى الأجيال بمقدرة ونعمة الخالق سبحانه وتعالى، فإذا بكل جيل يشهد نهاية حقبة، وهو يقبل على بداية حقبة أخرى. وخلال ذلك يعايش حقبة ثالثة بين الحقبتين. نحن اليوم، مثلاً، في حقبة من سيادة التواصل عبر الصورة والإنترنت ووسائط إلكترونية مختلفة، بعدما كنا نعتمد البريد لإرسال الخطابات وتلقيها، ثم ولحين عرفنا أجهزة التلكس التي خلفت التلغراف ثم الفاكس الذي سبق الإيميل. وفي كل شأن آخر من شؤون الحياة هناك إنجاز قديم، كان ورث إنجازًا أقدم، والآن هو على مشارف الانزواء لصالح إنجاز قادم.
هذا يمتد لكل شؤون الحياة أيضًا، تبعًا لتغيّر المفاهيم الشخصية والاجتماعية، وتتطوّر الاعتبارات التي تتمدد بالعرض لتسع ما كان مرفوضًا من قبل. من الأزياء إلى الكاميرات، ومن ديكورات المحلات إلى نوعيات ما تبيعه من بضائع. من الأفكار السائدة حول أمور محددة في الأدب والعلم والسياسة إلى أخرى كانت إما مرفوضة أو هي طارئة.
أبناء جيلي من مواليد الخمسينات، يعون أدوات مطبخ مختلفة. الثلاجة التي كان اسمها البرّاد، التي كانت عبارة عن صندوق خشبي سميك ذي قوائم تشتري له الثلج وتضع فيه ما تريد. المفهوم ذاته للبرّادات الكبيرة في مخازن بيع الطعام، لكنها لم تكن كهربائية. هذا تبدّل إلى ثلاجات كهربائية بأشكالها القديمة أولاً.
يعون كذلك السيارات التي كانت كبيرة بهيكل حديدي فعلي. كانت من الداخل واسعة ومريحة كما لو كنت تجلس في صالون البيت. أربعة يمكن لهم الجلوس في المقعد الخلفي. ثلاثة في المقعد الأمامي. كل شركة لها تصميمها الخاص، بحيث تعرف من النظرة الأولى أن هذه السيارة «كاديلاك» وتلك «بوويك» والثالثة «ديسوتو». وهل تذكر السيارة ذات أيقونة كوكب الأرض؟ إنها «أولدزموبيل». وإذ ترمي النظر إلى صف السيارات الواقفة قرب البيت ستجد بينها «بونتياك» و«دودج» و«مركوري». ودّعنا كل ذلك إلى سيارات لا علامات مميّزة لها. إما كبيرة الحجم وبلا جمال، أو صغيرة بلا مزايا. سيارات تمنحنا السرعة وتحجب عنا الأمان.. وتُباع بأسعار أعلى مما كانت عليه تلك السيارات الأفضل والأمتن والأجمل.
كنت ولدًا في العاشرة عندما كان والداي وجدتي، رحم الله أمواتنا وأمواتكم، يأخذونني إلى صالة سينما عايدة في بيروت. على الطريق من مركز انطلاقنا (بيت الجدّة في محلة عائشة بكار) إلى صالة السينما نحو 500 متر، وفي منتصف المسافة محل لبيع الأدوات الكهربائية. فجأة غزا نتاج جديد واجهة المحل. صناديق صغيرة على أربعة قوائم تبث لك الصورة بالأبيض والأسود. إنه التلفزيون. الناس كانت تقف سادة الطريق أمام السيارات مذهولة مما تراه.
هذا الجهاز بدوره تطوّر وتغيّر بالطبع ليصبح اليوم أقرب إلى رقائق البطاطا الضخمة تلصقها على الجدار أمامك ويستقبل لك محطّات تبث من ألاسكا أو أستراليا عوض المحطات الوطنية وبرامجها.
طبعًا لا يخلو كل اختراع من سلبياته وإيجابياته. «وابور الكازولين»، ذلك الجهاز القزم الذي تنقله من المطبخ إلى الشرفة أو إلى الحديقة فيعمل خفيفًا ومنفصلاً عن الكهرباء أو الغاز، ارتاح من عناء العمل بعد وصول الفرن الحديث. أكبر حجمًا وأكثر استيعابًا. لكن أبناء في بعض البوادي العربية لا يزالون، في المناسبات، يستخدمون الطبخ في أفران تحت الأرض. حفر يلقون فيها فرشة من أوراق النخيل ثم الخروف المذبوح والمنظّف والمزوّد بالبهارات المناسبة ثم ببسطة من الأغصان الجافة يشعلون فيها النار ثم يغلقون الحفرة بعد ساعة أو نحوها ويذهبون إلى النوم. بعد 24 ساعة أو أكثر يفتحون الحفرة ويستخرجون اللحم منها.. ولا أطيب.. ولا تقل لي فرن الغاز أو أكل المطاعم الفارهة.
7:38 دقيقه
TT
لكل جيل ما طلب
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
