شوقي الريّس
صحافي وكاتب لبناني في صحيفة «الشرق الأوسط». عمل مراسلاً دولياً في أوروبا وأميركا اللاتينية لعدد من أبرز الصحف والمجلات العربية، بينها «المجلة» و«الحياة» و«النهار» و«المستقبل». يكتب أيضاً في صحيفتي El Paísالإسبانية وLa Repubblicaالإيطالية. يحمل إجازة في العلوم السياسية ودكتوراه دولة في العلاقات الدولية من جامعة مدريد، وعمل مترجماً شخصياً للعاهل الإسباني الملك خوان كارلوس الأول على مدى 16 عاماً. كما يدرّس مادة المنظمات الدولية في جامعة بيروت اليسوعية، وجامعة مدريد المستقلة، وجامعة جنيف.
TT

كليمنجارو... الثلج عمامة أفريقيا

استمع إلى المقالة

بعد أن أصبح أول إنسان يزور جميع الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، والقطب المتجمد الشمالي والفضاء الخارجي، وقف الرحّالة والدبلوماسي البنمي خايمي آليمان عند قمة جبل كليمنجارو المكللة بالثلوج والمشرفة على بطاح تانزانيا وكينيا وقال: «هنا افتتح الله العالم».

أول الذين ذكروا هذا «الجبل الأبيض» في مخطوطاتهم كان بطليموس الإسكندراني أواخر القرن الثاني بعد الميلاد عندما وصل إلى سفحه من ناحية السهول التنزانية ونظر إلى تلك القمة الشاهقة التي لم يكن يتصوّر أن لها في الأرض مثيلاً، فشعر برهبة كبيرة وقال: «وصلت إلى نهاية العالم»، ثم شدّ رحاله وسلك طريق العودة.

لكن أول من تحدّث بالتفصيل عن جبل كليمنجارو، سقف القارة الأفريقية وأعلى جبل مستقل في العالم، أي الجبل الذي ليس جزءاً من سلسلة، كان العالم والرحالة والجغرافي العربي الشهير، ابن حماة، عماد الدين أبو الفداء، مطالع القرن الثالث عشر في مؤلفه «تقويم البلدان» الذي تُرجم إلى معظم اللغات الغربية، وقال عنه الروسي كراتشكوفسكي إن كتابين عربيين فقط أثارا الاهتمام عند الغربيين أكثر منه، هما: القرآن الكريم وألف ليلة وليلة.

يجمع الرحّالة والمستكشفون الذين جابوا أفريقيا على أن من لم تقع عيناه عن قرب على هذا «الجبل الأبيض»، لا يستطيع القول إنه شاهد القارة السمراء. وفي رائعته «ثلوج كليمنجارو» يعجب إرنست همنغواي لوجود هيكل عظمي متجلّد لفهْد عند قمة الجبل، ويتساءل كيف وصل إلى هناك والقبائل التي تعيش عند سفحه تقول إن معنى اسمه باللغة المحكية هناك هو «العصّي على الطيور والفهود».

في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1889 كان الجغرافي الألماني هانز ماير أول من وطأت قدماه الثلوج على قمة كليمنجارو بعد صعود شاق دام ثلاثة عشر يوماً برفقة زميله النمساوي بورتشيلير ودليل محلي. أما اليوم، فقد أصبح الوصول إليها لا يستغرق أكثر من خمسة او ستة أيام في متناول خمسين الفاً من المغامرين يحاولون بلوغها كل سنة ويفلح 90 في المائة منهم. وعندما أبلغ ماير الجمعية الملكية البريطانية للجغرافيا بأن الثلوج تكلل تلك القمة المطلة على السافانا الأفريقية من علو 5895 متراً عن سطح البحر، اتهمته بالكذب، لاعتقادها باستحالة وجود الثلج على هذه المقربة من خط الاستواء. لكن الثلوج كانت هناك، ولم تزل، رغم أن الغيوم الكثيفة غالباً ما تحجبها عن ناظر الذين عند السفح أو حوله.

كثيرة هي الأساطير التي نُسجت عبر التاريخ حول هذا الجبل البركاني النائم تحت الثلج والأسرار: ثمة من يقول إن الملك منليك الأول، نجل الملك سليمان من زوجته بلقيس ملكة سبأ، أخفى كنوزه في فوّهة ذلك البركان عندما خمدَ وقبل أن تطمره الثلوج، وتزعم القبائل التي تعيش في جوار السفح أن القمة البيضاء هي تاج سحري من الفضّة على هامة الملك المؤسس، ويذهب آخرون إلى أن ثلوج كليمنجارو ليست إلا سراباً تراه عيون الذين يبلغون القمة منهكين من شدة التعب. وعندما سألت صديقي الذي يتأهب لبلوغ أعلى الجبل برفقة دليله: ما الذي يدفعك للصعود إلى تلك القمة؟ نظر نحوها وقال: لأنها هناك. ثم سألني: وأنت، لماذا لا تُقدم؟ فأجبته: لأنها هناك.