طلال الحمود
إعلامي وكاتب سعودي، رئيس تحرير الأخبار الرياضية في قناة العربية.
TT

الغضب الصيني

استمع إلى المقالة

يواجه بعض اللاعبين العرب انتقادات لاذعة وحملات غاضبة في وسائل التواصل الاجتماعي، بسبب أحاديثهم عن قضايا يحتاج الخوض فيها إلى معرفة لا يمتلكها أغلبهم، وتختلف درجة الأزمة باختلاف المواضيع التي يتطرقون إليها والطبقة التي يوجهون كلامهم لها، وكثيراً ما كان المثل يضرب بقدرة اللاعب الأوروبي على اختيار عباراته وحسن تعامله مع وسائل الإعلام، غير أن الأمر تغير خلال الأسبوع الماضي حين جاء الفرنسي كيليان مبابي بالطامة الكبرى في حديثه عن الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ.

ويحمل التاريخ تجارب ناجحة للاعبين أوروبيين انتقلوا بسهولة بعد الاعتزال إلى مجالات سياسية واقتصادية وعلمية، بفضل حصيلتهم المعرفية وحرصهم على الاطلاع والتعلم من أجل الحفاظ على مكان في الواجهة والإبقاء على صورة البطل في أذهان الناس، مما جعل أساطير كرة القدم ينقلون نجوميتهم إلى السياسة والفن والتجارة وحتى مراكز البحث العلمي في الجامعات، ومع تطور اللعبة الشعبية الأولى في العالم وتضخم إيرادات اللاعبين المالية بدرجة جعلت منهم أثرياء قبل أن يتجاوز بعض سن العشرين، أصبح هؤلاء عبارة عن طبقة عاملة تبحث عن المال بطريقة واحدة لتأمين متطلبات حياة البذخ بقصورها وسياراتها وحفلاتها، بعيداً عن المجتمعات التي عاشوا فيها أيام البؤس والمعاناة، وبعيداً عن أي رغبة بالعودة لمشاركتها الحياة مجدداً.

وعندما تحدث مبابي عن ماو تسي تونغ لم يكن يعرف اسم هذا الزعيم ولا أهميته في أكبر بلدان العالم من حيث عدد السكان، بل لم يكن يعرف أن حصوله على راتبه يمر بالشركات الصينية التي تنفق على رابطة الدوري الإسباني وأنديتها نحو 400 مليون يورو سنوياً، مما جعله يتلقى ضربة موجعة ومباشرة وصل صداها إلى طابور نجوم كرة القدم في العالم، إذ لم تشفع شهرة اللاعب الفرنسي وشعبيته في شرق آسيا بتغاضي الصينيين عن الإساءة التي وجهها لرمزهم الوطني، حتى لو كان السبب يعود إلى عدم معرفته بالتاريخ وانعدام حصيلته العلمية بدرجة جعلته يتحدث بعفوية يغلب على مفرداتها الجهل بكل شيء.

واللافت أن نجوم كرة القدم تحولوا إلى طبقة الأثرياء بحسب أرصدتهم البنكية، غير أنهم أبعد ما يكونون عن ثقافة هذه الطبقة من حيث التفكير والمعرفة وطريقة التفاعل مع محيطهم، وربما يعود السبب إلى أن اللاعب الثري لا يملك بوصلة تحدد طريقه نحو المستقبل، ولا شغفاً بنيل مكانة اجتماعية مرموقة، ولا حتى رغبة في العيش على طريقة النبلاء، خاصة أن هؤلاء النجوم يهملون أهمية المعرفة والاطلاع، بل إنهم يتحاشون المشاركة في الفعاليات الثقافية، ويترددون قبل الموافقة على المشاركة في مبادرة اجتماعية أو نشاط خيري، ويبدو أن العالم على موعد مع جيش «بوهيمي»، ستؤثر سلوكياته العبثية على طريقة تعامل الأجيال القادمة مع محيطها ومع قيم مجتمعاتها.



المزيد من مقالات الرأي