ثمة حكمة قديمة تقول: «إذا وجدت نفسك في حفرة، فتوقف عن الحفر!». ومع ذلك، يبدو أن ما تبقى من النظام الخميني في طهران، مصمم على فعل العكس تماماً؛ فالعشرات من أدعياء السياسة، والملايين المُسيّسين، والجنرالات المتقاعدين، والمحللين المتطلعين للشهرة، يظهرون على الشاشات ليُعلنوا «النصر»، ويحثوا شعباً لم يعد يصدق روايتهم على مواصلة «المقاومة حتى إحراز النصر الكامل». في الواقع، الأمر أشبه بمواصلة حفر حفرة ما، أملاً في العثور على مناجم ذهب في يوم من الأيام.
وفي هذه الأثناء، يستمر الحفارون، أو بالأحرى مثيرو الفتن، في إضافة أعداء جُدد إلى قائمة طويلة، صنعوها على مدار نحو خمسة عقود.
من جهتها، حاولت باكستان إنقاذهم عبر الجهود الدبلوماسية، لكن المتعصبين يهاجمونها بوصفها دولة فاشلة، وحاضنة للجماعات الإرهابية المناهضة لإيران. وبلغ الأمر حد إطلاق موقع «تسنيم» الإخباري، التابع لـ«الحرس الثوري»، دعوة إلى تدخّل عسكري مباشر، داخل الأراضي الباكستانية، للتعامل مع تلك الجماعات.
أما الكويت، فتحاول تذكير طهران بالأيام الخوالي عندما سادت المودة العلاقات بين البلدين، لكنها لا تتلقى في المقابل سوى الإساءات والصفعات.
ورغم اضطلاع قطر بدور الوسيط المتعاطف مع طهران، يجري التقليل من شأنها باستمرار بوصفها طرفاً ضئيلاً، يحاول الاضطلاع بدور أكبر من حجمه.
وبالمثل، تكافأ عُمان، التي خضعت أمام طهران أكثر من أي دولة أخرى، بالإهمال والتجاهل لسيادتها على الساحل الجنوبي لمضيق هرمز.
وتعمل السعودية جاهدةً لإيجاد مخرج دبلوماسي من المأزق الحالي، لكنها تُكافأ بزيادة الدعم للمتمردين الحوثيين في اليمن. وادعى موقع «تسنيم»، الأربعاء، أن وجود المملكة نفسه بات في خطر. أما الإمارات، التي عملت بمنزلة رئة النظام الخميني لنحو أربعة عقود، فقد جرى تصنيفها بوصفها العدو الثالث، بسبب علاقات أبوظبي الوثيقة مع العدو الأول، الولايات المتحدة، والعدو الثاني، إسرائيل. وكرست القيادة المبتورة بعضاً من وقتها، لإطلاق حملة صبيانية تهدف إلى إحباط ترشح دبلوماسية إماراتية لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة. وحتى يومنا هذا، تظل البحرين هدفاً لهجمات إعلامية ودعائية شديدة العنف، مع دعوات متكررة لاجتياحها واحتلالها.
وحتى تركيا، التي قاومت ضغوطاً أميركية مكثفة، لتجنب قطع شريان الترانزيت الحيوي لإيران، بل دعت طهران -إلى جانب السعودية وباكستان- إلى النظر في الانضمام إلى هيكلية أمنية جديدة للمنطقة، وجدت نفسها هي الأخرى هدفاً لحملات دعائية جديدة، مع تحذيرات من السعي لتبوُّؤ موقع قيادي في العالم الإسلامي. وتكمن الرسالة الضمنية هنا في أن هذه القيادة حكرٌ على النظام الخميني.
وفي الوقت ذاته، يبرز ضمن هذا العالم الموازي أفرادٌ ومجموعات يتحدثون عن التغيير والإصلاح، بل عن ضرورة إحداث تحول استراتيجي في المسار: من نهج «المقاومة» إلى التركيز على التنمية الاقتصادية.
ويستشهد كل من المتعصبين المتمسكين بنهجهم الراهن ومَن يطلق عليهم «الساعون إلى الإصلاح»، بـ«المرشد الأعلى» -الذي لا يزال متوارياً عن الأنظار- مجتبى خامنئي، لدعم تصوراتهم وأوهامهم الخاصة.
تجدر الإشارة هنا إلى أنه على امتداد الأيام الأخيرة، ارتفع عدد الأشخاص، الذين يزعمون أنهم التقوا مجتبى شخصياً إلى ستة أشخاص، غير أن أحداً منهم لم يكشف عن تفاصيل ما دار في تلك اللقاءات، مكتفين بالقول إن «المرشد الأعلى» أيّد مواقفهم المتناقضة؛ مما يثير انطباعاً بأن هذا «المرشد» الخفيّ، يصدّق دائماً على ما يطرحه الجالس أمامه.
ويتحدث الفريقان عن الماضي ويتأملان في المستقبل، لكنهما لا يطرحان أي أفكار تتعلق بالواقع الراهن. كما يعوِّل كلاهما على دعم -يغلب عليه الطابع الخيالي- من الصين وروسيا، لتجاوز أي عواصف قد تواجههما مستقبلاً.
وفي ظل وضعها الراهن، تبدو القيادة الإيرانية المبتورة عاجزةً، سواء عن خوض القتال أو عن التفاوض لإنهاء الحرب.
وإذا ما بادر الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمنح طهران تنازلات جديدة، فإن ذلك لن يثمر سوى تشجيعهم على التشبث بمسارهم الحالي. أما إذا أسقط ترمب «أم القنابل» على أهدافٍ إيرانية عدة، فسيستخدم الطرف الآخر ذلك ذريعةً لمزيد من الحفر وتعميق المأزق الذي يتخبطون داخله بالفعل.
وإذا ما استمر بنيامين نتنياهو في منصب رئيس وزراء إسرائيل، وعاد لاستكمال «إنجاز المهمة» -مما يعني، على الأرجح، قتل مزيد من المسؤولين المدنيين والعسكريين، وقصف مزيد من عناصر البنية التحتية- فسنجد أنفسنا أمام النتيجة ذاتها.
وهنا يُطرح تساؤل: هل لا تزال الدبلوماسية خياراً ممكناً؟ نظرياً، نعم.
بيد أن المطالبة بـ«استسلام غير مشروط» -كما فعل الرئيس ترمب سابقاً- لا تعدو كونها تحليقاً في عالم من الخيال. ولكي تنجح الدبلوماسية، لا بد من توافر جملة من الشروط: أولها تشكيل تحالفٍ واسع يضم الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب تركيا وباكستان، مع عمل الجميع وفق رؤيةٍ موحدة ومتناغمة.
ويتطلب ذلك من عُمان وقطر والكويت، التخلي عن أوهامها بشأن وجود «علاقات خاصة» تربطها بالنظام الخميني. أما أبوظبي فيتعين عليها التخلي عن الأمل الواهي في تجنب التعرض لأضرار، من خلال الاعتماد على دعم خارجي. كما يتطلب الأمر من الصين وروسيا، تغيير سياستهما القائمة على الاستعانة بالنظام الخميني أداةً في صراع القوى، الذي تخوضانه في مواجهة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وحتى في هذه الحالة، ينبغي لأي خطة دبلوماسية أن تتضمن مطالب ملموسة من طهران، تتجاوز تلك المطالب «الرمزية» -مثل خفض مستوى تخصيب اليورانيوم- التي يسهل تقديم وعودٍ بشأنها، لكن يصعب فرض الالتزام بها على المدى الطويل.
ومن بين المطالب الملموسة: أن توقف طهران دعمها لـ«حزب الله» في لبنان، المنكمش حالياً، وجماعة الحوثي في غرب اليمن، وهي أمور يمكن التحقق منها بسهولة؛ إذ ينبغي على طهران إنهاء بعثتها العسكرية «الاستشارية» (المكونة من 100 عنصر)، ووقف إمداد صنعاء بالمكونات اللازمة لتصنيع الصواريخ والطائرات المسيَّرة.
أما المساعدات «الإنسانية» -التي تقدر بـ100 مليون دولار- والمخصصة لـ«حزب الله» اللبناني، فيمكن توجيهها عبر السلطات اللبنانية الرسمية، لضمان إنفاقها حصراً في الأغراض المعلن عنها.
وحتى في هذه الحالة، لا ينبغي إبرام أي اتفاق من دون الحصول على تأييدٍ علني من جميع الأطراف الفاعلة في طهران، بما في ذلك «المرشد الأعلى»، والبرلمان، والرئاسة، والمجلس الأعلى للأمن الوطني. ولا ينبغي تكرار الخطأ الذي وقع فيه باراك أوباما، حين أبرم اتفاقاتٍ مبهمة وغير رسمية.
ومع ذلك، تبقى لديَّ قناعة بأن ما تُسمى «المشكلة الإيرانية» من المتعذر حلها بشكل نهائي، من دون تغيير النظام. وتظل مسألة تغيير النظام شأناً يخص الشعب الإيراني، الذي أظهر مراراً رغبته في العودة إلى مسار السلام والتنمية الاقتصادية. وقد توفر الهدنة -التي تضع حداً لحربٍ يستحيل كسبها- المساحة اللازمة لنزع «سمّ» العقرب بشكل دائم.
