آندي موكيرجي
بالاتفاق مع «بلومبرغ»
TT

الإنترنت ونوبة الهلع

استمع إلى المقالة

تُعد الثقة عبر الإنترنت إحدى معجزات التشفير الحديث؛ فالموقع الإلكتروني الخبيث قد يحاول انتحال صفة بنكك أو مزود البريد الإلكتروني الخاص بك، لكن متصفحات الويب مُصممة للتصدي لهذا التزييف. كما أن التشفير القابع خلف رمز القفل في شريط العنوان، قوي لدرجة أن الحاسوب الفائق، حتى لو عمل لملايين السنين، لن يستطيع كسره.

هذه النظرية القائمة على الأقل؛ إذ شهد الأسبوع الماضي تذكيراً قاسياً لمجتمع التكنولوجيا العالمي، بأن قوة أي نظام تعتمد كلياً على المؤسسات، التي نأتمنها على مراقبته وضبطه.

يذكر أن متصفحات الإنترنت، مثل «كروم» و«سفاري» و«فايرفوكس»، لا تتحقق بشكل مستقل من كل موقع إلكتروني على وجه الكوكب، وإنما تسند هذه السلطة إلى بضع عشرات من الكيانات التجارية، والمرتبطة بالحكومات، والمعروفة باسم «سلطات التصديق». إنها بمثابة «موثقين» رسميين على شبكة الإنترنت. والآن، ماذا لو فقدت مثل هذه الجهات الموثوقة مصداقيتها؟

في 21 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، تسببت شركة «إي مودرا المحدودة»، ومقرها بنغالورو في إثارة حالة من الهلع الجماعي على شبكة الإنترنت. مع كشفها أن 8 من مفاتيحها الخاصة ـ رموز رقمية بالغة الأهمية للأمن السيبراني، يفترض إنشاؤها داخل شرائح آمنة وغير متصلة بالإنترنت، تحت ظروف صارمة ومن دون أن تراها عين بشرية ـ كان تخمينها سهلاً على نحو يثير الدهشة.

في الواقع، كان أحد هذه المفاتيح الرقم 4. ليس رمزاً مكوناً من 4 أرقام، بل مجرد الرقم 4.

والأسوأ من ذلك أن هذه الاعتمادات المخترقة، وجدت طريقها إلى الأنظمة الموثوقة لدى شركات التكنولوجيا الكبرى منذ منتصف عام 2025، بحسب ما أقرت به الشركة. وظلّت دون أن يكتشفها أحد، حتى استنتج باحث خارجي الأرقام من بيانات عامة، ونبّه شركات «أبل» و«غوغل» و«مايكروسوفت» و«موزيلا». وكان بإمكان أي شخص يصل إلى ذلك الحل أن يمتلك المعادل الرقمي لمفتاح شامل، ما يتيح له إنشاء الهويات المزيفة لأي موقع إلكتروني تقريباً، التي تقبلها المتصفحات باعتبارها حقيقية.

غير أن المشهد الأشد غرابة جاء بعد ذلك؛ فمع انهيار أسهمها بشكل حاد، أصدرت «إي مودرا» بياناً ثانياً تعرب فيه عن أسفها، لأن «مستوى التضخيم على وسائل التواصل الاجتماعي حول هذا الحادث، قد أثار جلبة لا تتناسب» حول قطاع لا يمثل سوى واحد في المائة فقط من إيراداتها.

من جهتها، دخلت وزارة الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات الهندية على خط الأزمة، بتبني طرح مماثل؛ فمع إقرارها بخطورة الحادث وإعلانها فتح تحقيق عبر فريق متخصص، اتهمت بعض حسابات وسائل التواصل الاجتماعي بتعمد بثّ الخوف. ورغم أن المتصفحات حظرت الشهادات المشبوهة، فإن شبكة الإنترنت تمتد إلى ما هو أبعد من «كروم» و«سفاري»؛ فالعدادات الذكية، وأجهزة الدفع، والخوادم المدمجة، وغيرها من الأجهزة المتصلة بالإنترنت، قد تمضي سنوات من دون تحديثات أمنية، وقد لا تتحقق أبداً مما إذا كانت الشهادة قد جرى تصنيفها باعتبارها غير آمنة. وهذا يعني أن المفاتيح المخترقة، التي تم إصلاحها على هاتفك أو حاسوبك قد تظل محل ثقة في أماكن أخرى، ما قد يترك أبواباً خلفية مستمرة لفترة طويلة، بعد أن يعتقد الجميع أن المشكلة قد تمت تسويتها.

وحده إجراء تحقيق جنائي رقمي مستقل وشامل قد يطمئن مجتمع البرمجيات العالمي إلى أن ما حدث كان مجرد خطأ فادح، وليس خداعاً متعمداً. وهذا تمييز بالغ الأهمية، لأن التوثيقات الرقمية المخترقة لطالما استُخدمت كأدوات في إدارة الحكم والتجسس. على سبيل المثال، عام 2011، تم اختراق شركة «ديجي نوتار بي في»، وهي وكالة شهادات هولندية، لاستهداف 300000 مستخدم لخدمة إيميل «جيميل» في إيران، عبر ما يُعرف «هجوم الوسيط»، التي تسمح الاعتمادات المزورة، في إطارها، لأطراف ثالثة بالتنصت على المحادثات بين شخصين، بل تعديلها.

ولدى نيودلهي تجربة مباشرة تجعلها مدركة لمدى قسوة بيئة المتصفحات العالمية؛ ففي عام 2014 اكتشفت «غوغل» شهادات غير مصرح بها، أُصدرت لنطاقات عدة تابعة لها بواسطة المركز الوطني للمعلوماتية في الهند، وهو كيان أصدر كذلك اعتمادات بشكل غير صحيح لصالح «ياهو». واضطرت «مايكروسوفت»، التي كانت تثق باعتمادات هذه الهيئة، إلى استبعادها، لأن مستخدمي «إنترنت إكسبلورر» و«كروم» كانوا معرضين للخطر. وجاءت العواقب وخيمة؛ إذ فرضت المتصفحات الكبرى قيوداً صارمة على الهند، واستبعدت لاحقاً موثق الإنترنت الرسمي الصيني «سي إن إن آي سي» بشكل كامل. وتراجع دور المركز الوطني للمعلوماتية، ليقتصر على توقيع النطاقات السيادية المحلية مثل «غوف دوت إن».

واليوم، نجد أن الرسالة الموجهة إلى «إي مودرا» هي ذاتها التي وُجّهت إلى المركز الوطني للمعلوماتية قبل 12 عاماً: الكيانات التجارية التي تبيع الثقة، لا تملك رفاهية فقدان مادتها الخام الأساسية. لقد انهارت «ديجي نوتار» وأشهرت إفلاسها في غضون أسابيع من اختراقها، كما باعت «سيمانتك»، التي كانت يوماً كياناً عملاقاً في مجال التوثيق، عملياتها بعد انتهاكات متكررة لقواعد الإصدار.

إن ردّ الفعل الحساس الصادر عن نيودلهي يأتي بنتيجة عكسية؛ فمنذ سنوات تدفع وزارة الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات الهندية نحو نهج مستقل عبر متصفحات محلية، واستضافة البيانات، والبنية التحتية الرقمية العامة المحلية. ولطالما أبدى المسؤولون الهنود انزعاجهم من الاعتماد على التكنولوجيا الغربية، بناءً على اعتقادهم بأن أمة قوامها 1.4 مليار نسمة تستحق حلولها الخاصة. غير أن السيادة الرقمية لا يمكن بناؤها على الشعور بالاستياء، بل تتطلب الثقة. وبدلاً من إهمال الغضب العالمي باعتباره مجرد مبالغة، ينبغي للهند الإصرار على الشفافية الكاملة من شركة مملوكة للقطاع الخاص، في نهاية المطاف.

«لا تعزُ أبداً إلى سوء النية ما يمكن تفسيره بشكل كافٍ بالغباء»، أو هكذا تنصح المقولة المعروفة بـ«نصل هانلون». لكن النصل يقطع من الاتجاهين؛ فإن عجزت عن تقديم تفسير مقنع لغياب الكفاءة، فسيبدأ الناس في البحث عن مؤامرات خبيثة. وهذا من شأنه أن يشكل خطراً أكبر على الطموحات الرقمية للهند يفوق كثيراً الإخفاق الكارثي في التشفير، الذي وقعت فيه شركة «إي مودرا».