تذكَّرت -وأنا أطالع حصيلة السباق الانتخابي الرئاسي في البرازيل- شيئاً مما كانت مصر قد شهدته في أيام الملك فاروق، عندما كان حزب «الوفد» على رأس الأحزاب بلا منافس.
وقتها كانت عبارة عجيبة قد شاعت بين المصريين، وكانت تقول: «لو رشح (الوفد) حجراً لانتخبناه» وقد كان للعبارة معنى بالتأكيد، وكان معناها أن أي مرشح لـ«الوفد» سينجح من دون شك، وبصرف النظر عن إمكاناته أو قدراته الشخصية؛ إذ يكفي أن يكون قد حظي بترشيح من «الوفد» وحصل على تزكيته، وما بعد ذلك لا يهم، على رأي إحسان عبد القدوس في روايته: «لا شيء يهم».
وقد جاء وقت أثبت الناخب المصري فيه أن تلك العبارة ليست من نوع الكلام الإنشائي الذي لا رصيد له على الأرض. وقد حدث ذلك عندما طرح إسماعيل صدقي باشا، السياسي المصري الشهير، اسمه في السباق الانتخابي في محافظة الغربية شمال القاهرة. طرح الرجل اسمه في السباق البرلماني ففوجئ بأفندي وفدي لا تاريخ له ولا اسم في عالم السياسة يطرح اسمه أمامه. ولا بد من أن صدقي باشا باسمه الكبير في دنيا السياسة وقتها قد استخف بالأمر، ولم يشأ أن يرى أي بأس في أن يطرح الأفندي الوفدي اسمه في السباق.
فلما جاء وقت إعلان النتيجة إذا بالأفندي الوفدي هو الفائز، وإذا بإسماعيل صدقي باشا أمام مفاجأة لم تخطر له على بال، ولا بد من أنه لم يعرف كيف يستوعبها، والطريف أن المرشح الوفدي لم يشتهر في التاريخ السياسي لتلك الفترة باسمه، وإنما اشتهر بأنه: «قاهر صدقي»!
أطلق المصريون عليه هذا اللقب فاشتهر به، وكان لقباً عن حق وصدق؛ لأن الذين يعرفون حجم صدقي باشا السياسي كانوا على يقين من أن نزوله أي معترك انتخابي معناه الفوز من دون فصال، ولكن اتضح أن المعترك أمام مرشح وفدي مختلف. ولم تكن الفكرة في فوز المرشح الوفدي في حد ذاته، وإنما كانت في فوزه على صدقي باشا بجلالة قدره، وذكائه الذي عُرف به، وسعة حيلته التي رافقته في العمل السياسي.
بالقياس -مع الإقرار بوجود وجوه اختلاف- سوف ترى وأنت تتابع أنباء فوز لويس إغناسيو لولا دا سيلفا على المرشح المنافس فلافيو بولسونارو، أن دا سيلفا إذا جاز له أن يحمل لقباً بعد فوزه في السباق البرازيلي، فلن يكون هذا اللقب سوى «قاهر بولسونارو». ولو قلنا: «قاهر اليمين»، ما اختلف واقع الحال.
ذلك أن كل الأسباب تقريباً كانت تقف مع بولسونارو، وكلها كانت تخذل دا سيلفا ولا تنتصر له ولا تسعفه. كان المد اليميني في الغالبية من دول أميركا اللاتينية ينتصر لبولسونارو ولا ينتصر للمرشح دا سيلفا، ولكن من سوء حظ بولسونارو أن الموجة اليمينية العالية في القارة لم تستطع أن تحمله إلى القصر.
كان وهو يخوض معركته مع دا سيلفا يخوضها بينما وراءه إرث سياسي من والده الذي حكم أربع سنوات من قبل. ولقد تخيل الابن أن وجود الأب في الحبس حالياً يمكن أن يثير درجة من التعاطف معه، وأن تجري ترجمة هذا التعاطف في صناديق الاقتراع لصالح الابن الذي بدا طول السباق ظلاً لأبيه في كل خطوة كان يخطوها.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينتصر من مكانه في البيت الأبيض للمرشح بولسونارو الابن، تماماً كما انتصر من قبل للرئيس بولسونارو الأب، وكان التصور لدى ترمب أن رهانه على الابن رهان في مكانه، فإذا به يفاجأ بفوز دا سيلفا؛ لأن البرازيل ليست أي دولة مما قد يكون فوز اليسار فيها قليل الشأن والعواقب على العلاقة مع الولايات المتحدة.
ولم يكن هذا كله هو -فقط- الذي ينتصر للمرشح بولسونارو في سباقه مع دا سيلفا، وإنما كان اليمين في العالم ينتصر له بالدرجة نفسها، وبالذات في أوروبا التي لا يكاد يمر عليها يوم إلا ويكتسب فيه اليمين السياسي أرضاً جديدة، وقد ذاع ذلك وشاع، وبدا الأمر وكأنه عدوى سياسية تتنقل من بلد أوروبي إلى آخر.
ومن شدة إيمان المرشح اليميني الخاسر بهذا كله، فإنه سارع إلى إنكار النتيجة، والإعلان عن أنه لا يُقرها ولا يوافق عليها، ولكنه سرعان ما أدرك أن تقدم اليمين من حوله في القارة، ومن حول القارة في العالم، لا يعني تقدمه هو ولا فوزه بالضرورة، فالبرازيليون عاشوا حكم اليمين وحكم اليسار في فترات زمنية متقاربة جداً، فلما كان عليهم أن يختاروا انحازوا إلى الرجل الذي قهر اليمين للمرة الرابعة في مسيرته السياسية.
لم يتوقف دا سيلفا عند حد قهر بولسونارو، ولكنه قهر معه المد اليميني الذي يبدو متصاعداً، أو هكذا كانت الرمزية في فوزه، ولا بد من أن نجاحه في ذلك يمنح الناس في العالم بعضاً من الأمل؛ لأن اليمين بنسخته العصرية الرديئة لا يفوز في أي أرض، إلا ويضع نفسه في خصام مع الإنسان من حيث هو إنسان فيها.
