فؤاد السنيورة
رئيس الوزراء اللبناني الأسبق
TT

كيف نجتذب ونحافظ على المستثمرين العرب في لبنان؟

استمع إلى المقالة

تأثرتُ كثيراً عندما تكرَّرت اتصالاتٌ تلقيتُها من عدد من الأصدقاء من دول الخليج العربي، وتحديداً من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت ودولة قطر ودولة الإمارات العربية المتحدة، وهم جميعُهم من رجال الأعمال المرموقين الذين استثمروا في لبنان، والذين عُرفوا بمحبّتهم للبنان واللبنانيين، وبرغبتهم الدائمة في استطلاع مجالات الفرص الجديدة للاستثمار في بلدنا. ولقد تمحورت وعبَّرت اتصالاتُ أولئكَ الأصدقاء عن استيائهم من الصُّعوبات والإشكالات التي يلاقونَها في لبنان، والتي قد تدفع البعضَ منهم إمَّا إلى تصفية بعض استثماراته في لبنان، أو إلى الاستنكاف عن القيام باستثماراتٍ جديدة فيه. وكلُّ ذلك بسبب ما يلاقونَه من تعقيدات ومشكلات، والتي يُفترض بالمعنيّين في الدولة اللبنانية أن يكونوا شديدي التَّنبه لها، ومن ثمَّ ممارسة الحرص على معالجتها بهدف إزالتها، وبالتالي بذل المساعي الجادة من أجل تعزيز البيئة الاستثمارية في لبنان، لكي تصبحَ مواتيةً وجاذبةً ومُيسِّرةً للاستثمارات الجديدة، لا بل أيضاً المبادرة إلى تقديم التَّسهيلات الضرورية والأساسية للأشقاء العرب لتشجيعهم على اغتنام الفرص الجديدة للاستثمار في لبنان. وبالتالي إلى ما يُمكِّنُهم من الإسهام في إيجاد فرص العمل الجديدة للبنانيين، والتي يحتاجها لبنان، أيَّما احتياج، بما يؤدي في المحصلة إلى تعزيز المصالح المشتركة بين لبنان وهذه الدول الشقيقة.

تأتي في هذا الصدد، وفي هذا السياق، وعلى سبيل المثال، المشكلات التي تعرّض لها رجلُ الأعمال الإماراتي الكبير السيد خلف الحبتور في لبنان، والذي تعرّض في البدء لخسارة جزء من ودائعه في لبنان. وهو الأمر الذي عانى منه كثيرٌ من اللبنانيين. وللأسف الشديد لا يزال التلكؤ والحيرة والارتباك والضياع يحول دون توصل المسؤولين اللبنانيين إلى حلول معقولة ومقنعة وعادلة لهذه المشكلة المستعصية والخطيرة! لكن، أكثر من ذلك، تعرَّض السيد خلف الحبتور إلى كثير من المضايقات، وصولاً إلى حدّ التهجّم عليه وتهديده بشكلٍ لا يليق بنا أولاً كلبنانيين، ولا يجوز لشيءٍ كهذا أن يحصلَ عندنا في لبنانَ لأشقائنا العرب، بما بات يلجم اندفاعتهم، ويحدُّ من رغبتهم في الإسهام في ما يساعد لبنان على الخروج من مآزقه المتكاثرة.

هذه الممارسات بمجموعها وصلت إلى مسامع كبار المسؤولين اللبنانيين، ولم ينجم عنها أي تواصل؛ ذلك ما دفع السيد خلف الحبتور إلى إقفال عددٍ من المؤسسات التي كانَ قد أنشأها في لبنان، والذي كان من نتيجته تسريح عدة مئات من العاملين في تلك المؤسسات. وعلى صعيد آخر، فإنّه تجدر الإشارة إلى أنَّ السيد خلف الحبتور كان قد بادر، منذ سنواتٍ عديدة، إلى إنشاء مؤسسة صحية كبيرة في منطقة حرار في عكار، وهي المنطقة التي تعتبر الأكثر حرماناً في لبنان. ذلك بالإضافة إلى كونه كان يحرص، في مناسباتٍ عديدة، وخلال الظروف الصعبة التي كان يمرُّ بها لبنان، على تقديم المساعدات الإغاثية في أكثر من منطقة، وذلك تعبيراً منه عن محبَّته ودعمه للبنان واللبنانيين.

المفارقة الغريبة أنَّه لم يُبادر أحدٌ من المسؤولين اللبنانيين للاتصال بالسيد خلف الحبتور، كما ينبغي، ولا الوقوف على شكواه، أو الاطلاع على ما يُعاني منه، أو إبداء التحسّس بمشكلاته في لبنان، وبالتالي المبادرة إلى العمل، قدْرَ المستطاع، من أجل معالجة هذه المشكلات التي تعرّض لها، ولو في الحد الأدنى على قاعدة «لاقيني ولا تغدِّيني».

في هذه الظروف الصعبة التي كان ولا يزال يمرُّ بها ويتعرّضُ لها لبنان، فإنَّ لبنانَ، بحقٍّ، بحاجةٍ ماسّةٍ إلى مبادرات تؤدي إلى تشجيع المستثمرين العرب على المبادرة لاستطلاع فرص القيام بالاستثمارات الجديدة في بلدنا، وبالتالي ضرورة تقديم التسهيلات لهم. وهي المبادرات والمعالجات التي يجب أن تتركَّز على إزالة العوائق التي تحول وتقفُ في وجهِ أولئك المستثمرين الحاليين والمحتملين، من ضمن جهد أساسي يرمي إلى تحسين وتيسير مُناخات الاستثمار في لبنان. وفي هذا الصدد، لربَّما يكون من المفيد أنْ يُصارَ إلى النَّظر من قبل المسؤولين في لبنان إلى فكرة إنشاء خليةٍ صغيرةٍ أو وحدةٍ صغيرةٍ مختصة كنافذة مفتوحة في مؤسسة «إيدال» والإعلان عنها، لتكون في متناول المستثمرين الحاليين والمحتملين، من أجل متابعة المسائل والشكاوى التي يمكن أن يتقدّم بها أي من الأشقاء العرب، وبالتالي نقل هذه الشكاوى، بشكلٍ مدروس ومنظّم، إلى أولئك المسؤولين، ولا سيَّما في الوزارات المعنية، والعمل بالتالي على معالجتها ما أمكن. ومن ذلك، ربَّما، وضع هذه القضايا والمسائل والمشكلات باطلاع رئيس الحكومة اللبنانية، لمعالجتها وإيجاد الحلول الناجعة والمناسبة، والحؤول دون تفاقمها، والحدّ من تفاقم انعكاساتها وتداعياتها الخطيرة على لبنان وعلى الاقتصاد اللبناني. فهل هناك من سيبادر؟!