مثل الكهرباء والماء، بدأت الصين ببيع الذكاء الاصطناعي واحتساب تكلفته تبعاً لعدّاد الاستهلاك للمستخدمين. وإذا كانت الكهرباء تباع بـ«الكيلوواط»، والماء بـ«المتر المكعب»، فإن الذكاء الاصطناعي يباع حالياً في بكين بوحدة «تسي يوان». وقد نستعير المفردة قريباً مع انتشار التقنية، وتدخل قاموسنا اليومي، أو نجد لها اسماً آخر، وهذا ما ستمليه الظروف.
«تسي يوان» باتت اسم الرمز الوطني الذي أطلق رسمياً قبل أيام، على وحدة قياس، لخدمات الذكاء الاصطناعي، بحيث تصبح الخدمة التي تقدم قابلة للمقارنة والتتبع والبيع بشفافية وشيء من العدالة.
وإذا كان البعض يشتري الـ«تسي يوان» مختاراً ومتحمساً، فمن باب الترويج تقوم بنوك ومقاهٍ ومطاعم، وشركات في الصين، بتقديم باقات رموز الذكاء الاصطناعي، كما باقات الإنترنت، مكافآت مجانية أو هدايا تشجيعية لزبائنها.
وأعلنت بكين إطلاق المنشأة الأولى التي تنتج ما يصل إلى 1.4 تريليون رمز للذكاء الاصطناعي يومياً، والغاية أن تصل إلى 10 تريليونات في وقت قريب. وهي كمية ضئيلة نسبة إلى الاستهلاك الصيني الهائل. لكن الفكرة بحد ذاتها ثورية، ولدمج نظام بيع الرموز في التعاملات، قامت شركات الاتصالات الثلاث الكبرى في البلاد بتوفير الخدمة، تماماً كما الخدمات الأخرى التي تقدمها. وثمة باقات ذكاء اصطناعي زهيدة الثمن، تبدأ بدولار ونصف الدولار، مقابل عشرة ملايين رمز.
وللتبسيط فإن الرمز يقابل ثلاثة أرباع كلمة بالإنجليزية كتقدير عام. ومقال من ألف حرف يوازي 600 رمز تقريباً. هكذا يمكنك أن تقدّر تقريبياً، ما تحتاج إليه، وربما أن شركتك المفضلة تتبع ما يوازيه أو يشبهه. علماً أن اللغة العربية، على ما يبدو، تستهلك من الرموز أكثر من الإنجليزية، وهذا بحث آخر.
شركات وادي السيليكون، تحاسب هي الأخرى مشتركيها بناءً على رموز ووحدات قياس خاصة بها، لكن لكل منها طريقتها الخاصة. وما تحاوله الصين هو أن تجعل كمية الاستهلاك أكثر وضوحاً. وهي تبني مراكز تشغّيل أنظمة ذكاء اصطناعي عملاقة، بفضل ما تملكه من مساحات شاسعة، وتوليد كهرباء بالرياح والشمس والمياه، وتقترح طريقة موحدة لاحتساب استخدام الخدمة، من خلال منصات يسهل على الشركات المشغلة، الوصول إليها للشراء والمقارنة، ثم تبيعها للأفراد أو الشركات الصغرى. بمعنى أبسط: أميركا تبيع الخدمة عبر شركاتها ومنصاتها كل منها بأسلوبه الخاص، وتسعيرته التي يحددها، والصين تحاول بناء سوق أوسع تنظّم فيه تقديم الخدمات وقياسها وبيعها وفق بنية موحدة.
وقد أعلنت الصين بناء منشأة جديدة تقدم ثلاث خدمات متشابكة: مصنع ينتج، ومنظومة قواعد تقيس، وسوق تبيع، في خدمة مستخدم متعطش، يعنيه أن يتحكم في مصروفه. وهذه إحدى الغايات النهائية، لأن العدادات لا تزال في حوزة الشركات الوسيطة.
الصين تحاول تسريع الخدمة وتحسينها وكذلك خفض تكلفتها، في غمار المنافسة الشرسة مع الشركات الأميركية.
خدمة أرخص قد تزيد الإقبال على التطبيقات الصينية مفتوحة المصدر التي لا تزال أقل ذكاء بقليل من مثيلتها الأميركية. والرهان كذلك على السرعة وتلبية الطلب بإتقان، ووصول المستخدم إلى مبتغاه بأقل خطوات ممكنة، وبالتالي باستهلاك أقل قدر من الرموز أو الـ«تسي يوان».
الصين تحاول تعويض نقص الرقائق بمجالات أخرى، وتريد أن تجعل كفاءة الأنظمة عاملاً يردم فوارق الأجهزة، ويمنحها مجالاً أوسع للمنافسة.
فالصين بمشروعها الوليد هذا تمهد لعمل بنية تحتية تجارية، لخدمة حياتية في طور الانتشار، والمستقبل لمن يمتلك مفاتيحها. فالذكاء الاصطناعي يتحول إلى سلعة تُباع بالعدّاد، وتقرير صيني صادر عن بنك الاستثمار يرى أن مصانع الرموز التي بدأ افتتاحها ستكون من أسرع نماذج الأعمال نمواً، وأكثرها جدوى من الناحية التجارية بالنسبة إلى مطوري النماذج الكبيرة. وبنك جي بي مورغان يؤكد أن استهلاك الصين لرموز الذكاء الاصطناعي سينمو بنحو 370 ضعفاً في السنوات الأربع المقبلة.
نقطة القوة الصينية هي سوق محلية كبرى، تصلح لتجارب جريئة. لكنها قد تكون نقطة ضعف أيضاً، لأن الرهان الكبير هو على أن هذه النماذج، ومنها وحدة قياس استخدام الذكاء الاصطناعي، ألا تبقى حبيسة الصين، بل أن تعمم وتصبح نموذجاً عالمياً، وهذا يحتاج إلى نقلة أخرى.
