د. عمرو الشوبكي
TT

التحالفات الإقليمية في مواجهة السردية الإيرانية

استمع إلى المقالة

كثيراً ما ذكرَت طهران أنها ترغب في أن تكون منطقة الشرق الأوسط خالية من أي وجود عسكري للقوى الكبرى، وتحديداً الولايات المتحدة، وأنها تطالب بعدم تدخل واشنطن في شؤون المنطقة، على اعتبار أن دول الشرق الأوسط أقدر على حل مشكلاتها بنفسها.

والمفارقة أن هذا التصور طبَّقته دول المنطقة من دون إيران، فقد اعتمدت في حمايتها أولاً على قدراتها الذاتية، وثانياً على مظلة تحالف إقليمي، كما فعلت السعودية في اتفاقية مكة التي ضمت معها تركيا وباكستان، ومثَّلت أساساً لتحالف إقليمي صاعد قادر على أن يلعب دوراً أساسياً في ردع الاعتداءات الحوثية التي لم تميز بين بشر وحجر.

والحقيقة أن اتفاقية مكة التي وقَّعتها 3 دول، هي السعودية وتركيا وباكستان، في 7 أغسطس (آب) الماضي، تضمنت عدداً من النقاط، أبرزها مسألة «الدفاع الجماعي والردع المشترك»، والنص على أن أي هجوم على إحدى الدول الثلاث يُعتبر هجوماً على الدول الثلاث جميعاً، وهذا هو العنصر الذي يجعل الاتفاقية شبيهة -من حيث المبدأ- بفكرة المادة الخامسة في حلف «الناتو»، وتَعزَّز في اجتماع إسطنبول في 31 أغسطس الماضي بإنشاء أمانة عامة لمأسسة الاتفاقية بين الدول الثلاث، ثم أخيراً عُقد في الرياض اجتماعان: الأول في 26 سبتمبر (أيلول) الماضي، والثاني في 5 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، بعد ارتفاع معدلات الاعتداءات الحوثية، حتى وصلت إلى جريمة استهداف المطارات المدنية داخل المملكة. ورغم إعلان أميركا ودول العالم دعمها للسعودية، وثقتها في قدرتها على الدفاع عن نفسها، فإن التدخل العسكري الأميركي في مواجهة الحوثي خضع للأولويات الأميركية، فقد سبق للولايات المتحدة أن شنت ضربات قاسية على مواقع حوثية في صنعاء وغيرها، وفق الحسابات الأميركية- الإسرائيلية، وليس حسابات دول المنطقة، وهو ما جعل الاتفاقية الإقليمية بين الدول الثلاث أمراً شبه حتمي؛ خصوصاً مع اتضاح قدرتها على الردع، ومواجهة التحديات الجديدة التي فرضتها الأوضاع في اليمن.

والحقيقة أن قوة الاتفاقية الإقليمية تكمن -من جانب أول- في قدرات الدول الثلاث وتنوع مصادر قوتها، بحيث بدت كأنها يكمل بعضها بعضاً، فالسعودية تملك القوة المالية إلى جانب القدرات العسكرية، ولديها النفوذ العربي والخليجي، وتمثل المعاني الرمزية والدينية في العالم الإسلامي، أما تركيا فهي قوة عسكرية كبيرة تمتلك صناعة دفاعية متطورة، وأصبح لديها حضور وتأثير في كل الملفات الإقليمية في المنطقة، من ليبيا إلى السودان، ومن سوريا حتى غزة، كما أن جيشها يعد ثاني أكبر جيش في حلف «الناتو» من حيث العدد بعد الولايات المتحدة الأميركية، ورأى كثيرون أنها تمثل حائط صد، أو قوة ردع أمام إسرائيل وإيران تجعلهما تحسبان حساباتهما بدقة إذا قررتا توسيع هجماتهما على دول المنطقة. أما باكستان فرغم مشكلاتها الاقتصادية وتلقِّيها أكثر من مرة مساعدات من السعودية، فإنها نجحت في بناء قوة عسكرية ونووية راسخة، أثبتت كفاءتها في المواجهة الأخيرة مع الهند، ولعبت دوراً أساسياً في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، وجعلت قنوات اتصالها مفتوحة مع طهران حتى اللحظة.

أما الجانب الثاني -وربما الأهم- فيكمن في أن اتفاقية مكة، أو صيغة التحالفات الإقليمية، ليست عسكرية دفاعية فقط؛ بل هي أيضاً رسالة تقول إن دول المنطقة يمكنها أن تتفق على صيغة تحالف خارج مظلة القوى العظمى وخارج إيران، حتى لو كانت الدول الثلاث حليفة للولايات المتحدة الأميركية؛ لأن حسابات الدفاع عن الأمن القومي لهذه الدول مختلفة عن حسابات الأميركيين الذين يخضع اتفاقهم أو حربهم مع إيران لاعتبارات خاصة بهم.

السردية الإيرانية التي طالما تحدثت عن دفاع إقليمي مشترك فوجئت بتحالف إقليمي مقابل خارج روايتها، ويواجه أذرعها، وبين دول لا تسعى لهدم إيران، ولم تقل في أي مرحلة -حتى في «عز» الأذى الإيراني- إنها ترغب في هدمها، أو إنها ستشارك في الهجوم عليها؛ بل سعت -وما زالت- في جعل إيران دولة طبيعية بلا أذرع تعتدي بها على الدول الأخرى.

من المهم النظر إلى اتفاقية مكة؛ ليس على أنها اتفاقية دفاع عسكري فقط؛ بل على أنها هي اختيار بمحض الإرادة لأبرز دول المنطقة، أن تتحالف فيما بينها ولتطبيق التصور القائل بأن «دول المنطقة أقدر على حل مشكلاتها بنفسها».